أيها الأخ المبتلى: نسأل الله – تعالى – أن يُعجِّل بشفائك، وأن يبلغك شهر رمضان المبارك صحيحاً معافى.

أيها الأخ الحبيب: يا من زاره المرض، وسكن ببدنه البلاء، يا من يعاني الألم، ويقاسي الشدة؛ اعلم أن المرض هو سبيل كل بني آدم من ذكر وأنثى، لا يفر منه غني بغناه، ولا يدفعه قوي بقوته وجاهه، كيف لا وقد مرض الأنبياء، وعانى من المشقة الأولياء، وتعب الحكماء، وقاسى الألم الشعراء، والأغنياء والفقراء، والأذكياء والأغبياء.

هذا سيد الأولياء، وخير الأنبياء، أجلُّ الرسل، وأكرم الخلق؛ يقول عنه عبد الله ابن مسعود – رضي الله عنه -: “دخلت على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو يوعك، فقلت: يا رسول الله إنك لتوعك وعكاً شديداً؟ قال: ((أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم)) قلت: ذلك بأن لك أجرين؟ قال: ((أجل ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى شوكةٌ فما فوقها إلا كفَّر الله بها سيآته كما تحط الشجرة ورقها))1.

فإذا كان أجلُّ الخلق يوعك هكذا فكل مرض يهون بعد مرضه – صلى الله عليه وسلم -، وكل مصيبة بعده تهون، بل إن قوة المرض يدل على قوة إيمان صاحبه – إن كان مسلماً مستقيماً – كما جاء عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – أنه دخل على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو موعوك عليه قطيفة، فوضع يده عليه فوجد حرارتها فوق القطيفة، فقال أبو سعيد: ما أشد حماك يا رسول الله، قال: ((إنا كذلك، يشتد علينا البلاء، ويضاعف لنا الأجر)) فقال: يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال: ((الأنبياء ثم الصالحون، وقد كان أحدهم يبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يجوبُها – يقطعها – فيلبسها، ويبتلى بالقمل حتى يقتله، ولأحدهم كان أشد فرحاً بالبلاء مِن أحدكم بالعطاء))2.

فالنية النية أيها الأخ المبتلى، إنه ليس بينك وبين هذا الشهر الفضيل إلا أيام معدودات، وقد لا تدركه، نعم قد لا تدركه فهل فكرت في هذا؟ هل فكرت بأن الأجل قد يداهمك، وأن أيام عمرك قد تنتهي قبل حلوله؟

لكنك أخي المريض تستطيع أن تدركه بشيء واحد وإن لم تدركه بعمرك!!

إنها النية أيها الأخ المبتلى، نعم بنيتك الصادقة التي يدل عليها الشوق لهذا الشهر، والفرح القلبي بقدومه، ودعاء الله أن يبلغك إياه.

بهذه الأمور قد يبلِّغك الله أجر عبادة هذا الشهر العظيم من باب قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: ((من سأل الله الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه))3 قال المناوي – رحمه الله -: “لأن كلاً منهما نوى خيراً، وفعل مقدوره، فاستويا في أصل الأجر”4، وقال صاحب المفهم: “هذا يدلُّ على صحة ما أصَّلناه في الباب الذي قبل هذا، وهو: أنَّه مَن نوى شيئًا من أعمال البرِّ، ولم يتفق له عملُه لعذرٍ؛ كان بمنزلة مَن باشر ذلك العملَ، وعَمِلَه”5.