الثلاثاء , 25 يوليو 2017
الرئيسية » دين ودنيا » من مظاهر الاحتفاء برمضان والعيد في قريتنا قبل حوالي سبعين سنة

من مظاهر الاحتفاء برمضان والعيد في قريتنا قبل حوالي سبعين سنة

 

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      imagesبسم الله الرحمن الرحيم

إهداء : إلى نبع الجمال الذي لا ينضب بالرغم من تقادم الزمان ، لمعلمتي الأولى في كل شئ وخصوصاً في تذوق الجمال والإحساس به ومحاولة الإسهام في صنعه .. إلى مربيتي الفاضلة وأمي الحبيبة ” الحنون الرءوم ” الغير ” منسيه ” .. كل عام وأنت حبي الكبير .

بداية كل عام وأنتم بألف ألف ألف خير وعافية ، وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال ، أخواتي الكريمات وإخوتي الكرام .

الجمال في قريتي بلا حدود

وهي لا تنقضي مصادر الجمال في قريتنا الشامخة وما حولها من قرى ، وفقط يحتاج كل منا نحن الذين أتيح لهم العيش فيها عندما كانت محلاً لملاعب الصبا ومنطلقاً للأحلام الواعدة ومسرحاً لحياة يكتنفها العز والسؤدد والكفاح المستميت من الجميع للبقاء مرفوعي الرأس موفوري الكرامة بالرغم من تردي الأحوال الاقتصادية وضعف الإمكانيات المادية .

وأصارحكم القول أنني وقفت عاجزاً وطويلاً على بوابة التذكر عندما قررت التقاط بعض الصور والأحداث المرتبطة بشهر رمضان المبارك أعاده الله علينا وعليكم ونحن في صحة وعافية وقدرة على العطاء الجزل، بعد أن أضاع مني نص كتبته حول المناسبة ” هكر ” دمروا موقع آخر نشرته فيه قبل أن أحتاط لحفظه ، لكني احتلت للخروج من هذا المأزق بالاستعانة بالله تعالى ثم بالذاكرة التي تستعصي على نسيان الكثير مما عاشت صاحبتها بصدق وحب ، وهكذا هو الإنسان كلما أخلص في صنع حدث ، وكلما اندمغ في تأطير صورة تبقى على مدى الزمان ماثلة في الذهن والوجدان .

حاولت جاهداً طرح الأسئلة وتوجيه مسار حديث جميل مع سيدة قلبي العظيمة ووالدتي الغالية متع الله بحياتها قبل مغرب يوم الخميس الماضي 23/9/1431هـ . الزمان شريف بلا شك ، ومن أشرف ما يتم استغلال الوقت فيه من وجهة نظري المتواضعة أن يستظل مثلي بالظلال الوارفة للغالية فيكون بذلك إدخال سرور لا يحد على قلب لا تشيخ طيبته أبداً لكنها أتعبته الأحداث حتى بات بحاجة ماسة إلى كل بارقة حب ومبادرة وفاء ولمسة حنان وتلويحة اعتزاز بكفاح يستحق .

كان دوري فقط استمطار الذاكرة الجميلة ( ماشاء الله ) ، وتدوين الإجابات بذات الأسلوب العفوي الذي أجزم أن سيكون له الأثر الجميل في أن نقرأ النص جميعاً بحب يخفف من عجزي عن نقل جمالياته، وفي بعض الأحيان قمت بعمل شرح لبعض المصطلحات والصور التي أتذكرها جيداً لأني شاركت فيها عندما كنت صغيراً أو رأيت بأم عيني من كان يفعلها أمام ناظري مرات عديدة فتشكل لدي معرفة ببعض تفاصيل أدائها ، وبكل تأكيد أجزم أن لكل طريقته الخاصة في الاحتفاء بهاتين المناسبتين العظيمتين ، فالبيوت أسرار ،وكل أسرة أعدها بصمة متفردة في كل شئ ، لكن لابد أن هناك بعض المشتركات بين الجميع ، وهي تحديداً ما حرصت على تدوينه حتى يبقى واقعاً في شكل أسطورة أخاذة الجمال عندما يكون التقييم من متذوق ومنصف.

الاستعداد لرمضان

سألت الغالية : ذكريني يا الحبيبة كيف كنتم تستعدون لرمضان؟

شراء الديك

قالت : كل بيت كان يستعد بشراء ديك في جماده ( جمادى الثانية ) أو رجب بقرش أو قرشين في وقت كانت فيه الخمسة قروش تشكل ربع ريال، وكان الحرص على أن يكون الديك صغيراً حتى يمكن تربيته لأداء الأذان ، وقد ارتفع سعره في بداية الثمانينات الهجرية تقريباً إلى أن صار نصف ريال مما أدى إلى استغراب الناس واندهاشهم. الله صار الديك بنص ريال ؟!

جمع الحطب

وكنا من بدري نحرص على أن ” نولّف ” ( نجمع ) الحطب من الجبال والأصدار ( وهذه المهمة مما كان يستنزف من النساء جهوداً استثنائية فتسرحن مع بعضهن البعض قبل صلاة الفجر ثم يمشين في طرق عادية مملوءة بالأحجار والأشواك ومخلفات البهائم وغير في وقت ليس فيه إضاءة ثابتة أو محمولة ويقطعن مسافات تعد بالكيلومترات حافيات الأقدام أحياناً لعدم توفر زنوبة عند إحداهن واضطراراً في الأماكن الوعرة حيث تخلع إحداهن نعلها لكي ” تحن ” (يعني توفر الزنبوة وتبقيها سالمة من القطع عندما تمشي في الأماكن التي بها أحجار حادة ) وعندما يصلن إلى بعض الجبال المجاورة التابعة للقرية والتي تحمى أحياناً بمعنى يمنع فيها قطع الأشجار حتى تنمو بطريقة جيدة لينتفع منها عامة الناس ومن يأخذ منها شئ في حالة المنع ” ينكل ” ( بمعنى يفرض عليه غرامة مالية لصالح صندوق الجماعة ، عند ذلك يتحطبن والتحطاب يعني قطع أغصان الأشجار اليابسة أما الخضراء فيمنع قطعها والعبث بها حفاظاً على بيئتهم هم الأصدقاء الأوًل لها .
الخُلبَه

تقول الغالية أيضاً ” نبرد البيت ” . ” نخلبه ” بشويه تراب الله يكرم وجهك والسامعين ( ولمن لا يعرف الخلبه فهي طريقة تقليدية لما يشبه ما صرنا نتعارف عليه بتلييس جدران البيت، ولكن المادة التي كانت تستخدم عبارة عن التراب يمزج بالماء وشئ من العلف وروث البقر أكرمكم الله حتى يكون متماسكاً إذا وضع على الجدران ، والبعض ممن أحوالهم المادية أفضل بالنسبة لمجموع الناس وهم قليلين ويمكن أن يعدوا على الأصابع كان يجري رسومات وتشكيلات بسيطة على شكل مستطيلات ومربعات ومثلثات ودوائر وخطوط طولية وورود وزهور تعطي جمالاً أخاذا للبيت وكل ذلك بمادة جيرية بيضاء تسمى ” النوره ” يتم من خلالها إبراز زوايا البيت ويتم جلبها للأسواق المحلية من بعض القرى خاصة قرية بني حدة في بني ظبيان، ولاحقاً صار البعض يضيف بعض ألوان ” البويه” المستوردة الحمراء والصفراء والخضراء والسوداء والفضية والذهبية وتستخدم أيضاً لزخرفة الزافر وضلف البيبان والطيق وبعض خشب السقف ، وكانت النساء هن من يقمن بهذه المهمة بشكل رئيسي يساعدهن فيها الأطفال الذين يحلو لهم اللعب بطين ، مما أعتقده ميلاً فطرياً مع أصل النشأة ) .

ولاف السمن والحقينه

واستطردت الغالية قائلة : والسمن يا ولدي كنا نولفه من ثلاثه شهور قبل رمضان ،وأنت تعرف أن كل بيت كان ببقرته ، وكانت النساء ” تتشيدقن ” ( تستهزئن ) بالمرأة اللي ما معها بقرة تسترها وتستر عيالها . يقلن صاح الله عليها بدّت تتهرج مع الهابيات من النسوان ( يعني انشغلت بالكلام مع النساء الكسولات وغير العارفات بواجباتهن تجاه أسرهن وبيوتهن ، وعكسهن السنافيات والحرائر) ، وطريقة إعداد السمن تتمثل في أن تحتلب المرأة أو إحدى البنات أو النساء سواء من أهل البيت أو من يعاوننهن من الجيران البقرة بأن تسمي بالرحمن ثم تجلس القرفصاء تحت البقرة وفي يدها اليسرى ماعون لحفظ الحليب ( إلا إذا كانت شولاء يعني عسراء فيتم العكس ) . وبشويه ماء تمسد ” ديوس ” البقرة ( ضروعها ) كنوع من التنظيف والمساعدة في إدرار اللبن ثم تضغط بيدها اليمنى على كل ديس على حده حتى يدر ما فيه من حليب إلى أن يجف ثم تنتقل بنفس الطريقة إلى الثاني والثالث الخ حيث لكل بقرة أربعة إلى خمسة ديوس ، بعد ذلك تجمع المحصول في حله وربما عملت نفس الطريقة يوم أو يومين حتى يتجمع ما لديها ثم تضعه في الشكوة ، وهي عبارة عن إناء جلدي من الماعز أو الضأن أو معدني وكانوا يسمونه التوتوه وهو ما يعرف حالياً بالألمونيوم وهو اسطواني الشكل، وهو مصمت أو مقفل عدا فتحة يصب منها الحليب فإذا كان من الجلد فالفتحة تتمثل فيما حول منطقة رقبة الذبيحة ، اما إذا كان معدني فهي عبارة عن فتحة دائرية لها قلووز يمكن شده حتى لا يتناثر منها السائل ، وفي كل طرف من أطرافها عروة ويوصل بينهما بحبل حتى يمكن تعليقها بطريقة معينة في السقف بحيث تستطيع المرأة أو الطفلة أو الطفل تحريكها إلى الأمام والخلف وأحدهم جالس ، وهذه الطريقة تسمى المخيض ، ويقال امخض الحليب يا فلان أو امخضيه ، وهي عملية متعبة تحتاج إلى جهد متواصل من حركة اليد الدافعة إلى الأمام والساحبة إلى الخلف ، وأتذكر اني كنت أساعد والدتي الحبيبة كانت تستعين بي لأداء هذه المهمة البناتية قبل أن ترزق بالبنات ، وذات مرة رآني أحد أعمامي _ وهو يكبرني بعشر إلى خمس عشرة سنة _ متعلق فيها فأخذ بيدي قائلاً : قم خابت امك هاذي ما يسوونها الأولاد. هذي شغلة البنات وانت صرت رجال . غضبت والدتي الغالية فقالت غير قاصدة لمعنى ما قالت فهي تعد حماها ( أخو زوجها مثل ابنها أو أخوها الصغير ) وأظنها كانت في دخيلتها مسرورة جداً لأنني كبرت . قالت : هويه ياخه يا مقطوع الرجا ما خليته يعاوني . قال والله لن زدت شفته متعلق فيها لاوريه شغله والمعنى أنني سأضربه ضرباً مبرحاً .

بعد حوالي نصف ساعة من الحركة الدءوبة التي تزعج الأطفال لا سيما إذا كان مدللاً مثلي آنئذ لا يحب من الأعمال إلا ما يفضي إلى اللعب ، بعد ذلك تتجمع الزبدة في أعلى الشكوه من الداخل على شكل دوائر دهنية صغيرة بيضاء الشكل تميل إلى الصفار فتقوم المرأة بصب السائل في ذات الحلة التي كان فيها الحليب ولكن هذه المرة يكون لديها مصفاه تمنع بقاء الزبدة مختلطة ب ” الحقينة ” ( اللبن ) ثم تجمعها بقبضة يدها على شكل كورة صغيرة وتضعها في ماعون آخر إلى أن يتجمع لديها مع الأيام مجموعة من الكور الدهنية التي تملأ الحلة فتقوم بوضع الحلة بما فيها على نار هادئة بعد أن تضع شئ من الطحين بداخل الحلة وأحياناً قليل من الحلبة أو غيرها من الأعشاب التي تنتقيها بعض النساء حسب خبراتهن المختلفة التي تميز عمل واحدة عن الأخرى فتتحول الكتل الجامدة إلى سائل أصفر هو السمن . وبعض النساء تحمي حجراً أبيض في النار لحين تدرك أنه صار كالجمرة ثم تضعه في القدر وبذلك يقوم بصهر الكتل الدهنية وتحويلها إلى سائل ثم يتم تصفيته بالصفاية لفصل الرغوة التي شكلها الطحين ويصب في العكة أو إناء مدني خاص له فتحة تقفل بما يسمى القلووز وهو لف الغطاء بشكل دائري، وذلك بعد أن تضع خصلة ريحان أو بعيثران أو بعض الأعشاب العطرية التي تجعل للسمن نكهة مميزة .

الشركه ( لحمة العيد )

وقبل دخول رمضان بيوم والا يومين يجي اثنين من قرية مجاورة ويمرون على القرية . بيت بيت يسألون أهل كل بيت . بكم تبغون شركة للعيد ؟ ( والمعنى بكم تريدون شراء لحم ؟ ) ، وكان البعض يشتري بخمسة ريال إذا كان معسر أو عدد أفراد أسرته قليلاً وصاحب العائلة الكبيرة ( أحياناً صاحب الثنتين وهم قليل ) يشترك بعشرة . كان جدك الله يرحمه يا عبدالله كريم وعنده ذبحة الثور كما ذبحة الدجاجة ، لكن جدتك الله يرحمها كانت رشيدة وتقول عليه انه ” خسفير ” أو ” خسريف ” ( يعني مبذر ) لذا كان يتحاشى عدم الإجابة على تساؤل اللي يسوي الشركة بالكلام اذا كانت جدتك حاضرة وإنما بالتأشير بيده اليمنى مفرودة الأصابع فيفهم السائل أن المطلوب بعشرة . وكان ذاك الرجال ومعه آخرين يذبحون ثورين أو ثلاثة و” يشرّكونها ” ( يوزعونها ) على أهل القرية كلهم ، وكان التوزيع على شكل سادي ، وهو قطع مشكلة من اللحم والكرشة وغيرها وينظم في حبل ” صخيف ” ( يعني غير ثخين ) بعد أن يتم خرق القطعة بأداة حادة مدببة من وسطها ، ثم يحملونها في قفاف على رؤوسهم ويمرون على البيوت من طرف القرية إلى طرفهم ويعطون كل أحد مطلوبة ، فمنهم من يعطيه الثمن مباشرة ، ومنهم من يستأذن في أن يكون السداد لاحقاً كأن يكون ” وعدي اليوم ” ( يعني بعد أسبوع مثلاً ) أو في موعد آخر أو بالوعد أن تتم المبادلة بشئ مقابل بأسلوب المقايضة المعروف، وكان أصحاب الشركة ” يذمون ” ( يسمحون بتأجيل السداد ) للناس يا ولدي ، فالأحوال تشكى إلى الله والغالبية ما يملكون القرش.

تقول الغالية : بعدما نستلم سدياننا بالرحمان تقوم ام العيال وبناتها ونسوان أولادها إن وجدن بتمليح اللحم ( يعني غمسه في الملح حتى يكتسب خاصية عدم التعفن ) ثم يعلق في خشبه مربوطه في السقف تسمى ” الحمّاله ” ، وكانت الأسقف مسودة اللون بسبب ” الداخنه ” ( يعني دخان النار التي تشب للتدفئة وإنضاج الملابس وتجفيف الملابس في الشتاء ) وكان الهباب الأسود يعلق بالخشب والبعض يتساقط منه على اللحم ويسمى ” الوار “، أيضاً كانت بعض الحشرات التي تأخذ من الأسقف مسكناً وتتجول في البيت كالحنشان والحيّات والعقارب والفيران والذبان وغيرها ربما أخذت حصتها من اللحم ، وكان لا يبالي الناس بذلك ولا يؤدي إلى تعففهم .

تمرة العيد

بالنسبة للتمر كان يجي من بيشه يا ولدي على شكل ” جواليق ” ( والجالوق عبارة عن كيس خيش يعبأ فيه التمر بطريقة جيدة ، وكنا نشتريه من أهل دكان في قرية مجاورة . أما قريتها فما يبيعونه فيها . البعض يشتري ” ثامنه ” ( ثمن ) أو ” رابعة ” ( ربع ) أو ” ناصفه ” ( نصف ) وكل من الله ومن طولة ايده ( يعني إذا كان كريما أو العكس ) ومن عدد أفراد أسرته . أظن بعدما جيت انت يا عبدالله ( وكان ذلك في بداية الثمانينات الهجرية ) كانت ثامنة الجالوق ب 25 ريال ( أتذكر أنني شخصياً أنا عبدالله اني كنت أقوم مع أخي الحبيب علي متع الله بحياته بشراء التمر من قرية مجاورة ، كنا نشتري من شيبه وكهله رحمهم الله وأحسن إليهم ، وكانوا يحرصون على إعطاء كل واحد منا مثل قبضة اليد في يده ويقول أحدهم : تيه لك وانا ابوك ( أو أمك إذا كانت المرأة هي البائعة ) ، أما تيه ” فلهلك ” ( لأهلك ) وانا فدا لا تقربها. لاحقاً عرفت أن السبب يتمثل في أن المُعطى من بعض الزكاة والبعض الآخر لضمان أن لا يأكل الأولاد مما يشتروه فيعتقد أهلهم أن البائع غشهم ، وبصراحة أتذكر انا كنا نأكل ما أعطينا وفي الطريق نمد ايدينا في الكيس الكرتوني الذي نحمله وناكل ذا فيه النصيب فالجوع كافر ، وكان يسألنا أهلنا عما إذا كنا قد أكلنا فنحلف بأغلظ الأيمان ( كاذبين طبعاً ) أننا لم نأكل إلا ما أعطينا ، ويصدقون بطيبتهم الاستثنائية قائلين : هيا الله يعطيكم العافية.فديتك يا فرخي . صرت رجّال .

الطحين

وكماها كماها يخرج أبو العيال شويه حب وتاهبه في الرحاه ام العيال أو احدى بناتها أو مرة ولدها ان كان معها ، والا أحد أولادها ويطحننه شويه شويه . والرحاة لمن لا يعرفها مكونة من حجرين اسطوانيين قطر أحدهما أربعين صانتي ( سانتيمتر ) تقريباً يوضعان على بعضهما البعض . الأسفل مصمت ليس فيه فتحة وإنما حفرة يوضع فيه أداة حديدية تمكن الحجر الذي أعلى من الدوران بالإضافة إلى إخراج الطحين، والحجر الأسطواني الذي في الأعلى به فتحة أحد اطرافه يوضع فيها خشبة لتمكين من يقوم بالطحن بالقبض عليها بقبضة يده متجهاً اصبع يده الكبير إلى الأعلى وبه أيضاً فتحة أخرى في المنتصف يتم إدخال ” الحب ” ( بفتح الحاء وهو عبارة عن الحنطة او الذرة أو الشعير أو غيره من انواع الحبوب الأخرى ) منها ثم يتم تحريك الحجر العلوي بشكل دائري بعكس عقارب الساعة فينهرس الحب كلما استمر الشخص في الطحن إلى أن يتحول إلى دقيق ثم يوضع في كيس خاص ، ولاحقاً بعدما تحسنت ظروف الناس أصبحوا يطحنون عند ما كان يسمى ب ” البابور ” وهي شبيهة للمكينة المعروفة حالياً وإن كانت السابقة تعمل بواسطة الديزل ولها سيور طويلة جداً ولمكينتها صوت عال مميز كنا كأطفال نسر به عند سماعه في البابور أو عند الآبار حيث كان يتم استخدام نفس الماكينة لنزح المياه من الآبار وري الأراضي المجاورة .

أهل الأوقاف

كان لدى بعض أهل القرية ” أوقاف ” ، وهي عبارة عن أراضي أوقف أسلافهم غلتها للصرف على احتياجات المسجد بمعنى أنهم يحرثونها ويضعون فيها البذار ويعتنون بها طيلة السنة ثم يصرمون غلتها ويديسونها ( سبق وأن وصفت ضمن ذكرياتي كل هذه الأساليب التي كان يقوم بها المزارعون في القرية ) ويبيعونها للصرف على احتياجات المسجد وأهمها شراء التمر لتفطير أهل القرية عن بكرة أبيهم وشراء الهدوم التي تفرش في أرضية المسجد ( وهي عبارة عن بُسط كانت تعمل في بيشه وهي من سعف النخيل ، وأحدها يسمى هدم) وشراء ” القاز ” ( الكيروسين ) وهو يستخدم لإشعال ” القازة ” أم فتيله ( وهي وسيلة إضاءة تقليدية عبارة عن علبة صغيرة أسطوانية الشكل تعبأ بالقاز ويتم من قبل صانع القرية ثقب غطاء الفتحة الخاصة بها ويدخل فيها فتيله فيرتوي أسفلها بالقاز لتضئ بعدما يتم إشعالها ب” الدخسوس ” ( جذوة من النار ) أو بالكبريت ، وكان يوضع في جنبها عروة حتى يمكن حملها وتوضع في ” خلف ” ( فتحة مربعة الشكل تُعمل في أحد الجدران ، وإذا كان المسجد كبيراً تم عمل أكثر من خلف، وتستخدم الغلة لتعبئة الفانوس ، أوالاتريك ، وهما وسيلتي إضاءة حديثة.

وكان أصحاب الأوقاف يشترون قبل دخول الشهر الكريم جواليق تمر وفي الجمعة التي تسبق دخوله يطلب عريفة القرية من أهل القرية البقاء في ساحة المسجد قائلاً بعد أن يسلم الإمام ” تريضوا يا جماعة ” والمعنى ابقوا ، وهذه عادة متبعة ومعروفة عندما يرغب في إبلاغهم تعليمات أصدرتها الحكومة أو إعلان تعليمات تنظيمية لشئون القرية أو للإخبار عن زواج أو عن مخالفة من قبل أحد أفراد القرية لما كان يسمى ” الشَّده ” ( وهي التعليمات المنظمة لأمور الزواج وحل الخلافات على الشرب وهو طريقة لتوزيع مياه الآبار على أصحاب الأراضي المسقوي المجاورة لها ) .

المهم ، يتم تهنئة الجماعة بقرب بلوغهم الشهر الكريم ويحثهم على الاهتمام بهذه العبادة العظيمة ، كما يتم الإبلاغ عن وجود فطرة في المسجد لأهل القرية كلهم صغير وكبير ، ويتم تسمية أصحاب الوقف ويدعو لأصحاب الوقف الميتين بالرحمة والمغفرة وللقائمين عليه بالتوفيق والتسديد والذرية الصالحة التي تسهم في استمرار هذا الخير ( سبق أن وصفت في جزء من ذكرياتي عن القرية شئ من الأسلوب المميز الذي كانت تدار به الجلسة وطريقة الإلقاء المميزة التي كانت تتم فيه ، وكان يستخدم لكل مناسبة مفردات معينة مع اشتراك جميع المناسبات في مقدمة ونهاية ثابتة المفردات) .

على كل حال قبل أن يؤذن لمغرب أول يوم من رمضان يخرج أصحاب الأوقاف بجواليق التمرة التي اشتروها إلى المسجد ويتوافد الرجال والأولاد وأحياناً النساء ” الميتمات ” ( الأرامل ) أو بناتهن الصغيرات في حال عدم وجود أبناء ، وكن يحضرن بالخفر والحياء المعتادين من إبنة القرية الذي يدعو الجميع إلى الدعوة إلى إيثارها بالعطاء قائلين : ” بدوا ” ( ابتدروها بالعطاء ) اعطوا فلانة أو الحرمه اللي واقفه عند باب المسجد أو الجُهّال اللي واقفين عند الباب ، ومن ليس له من يستلم فطرته يتم بعثها إليه مع أحد أقاربه أو جيرانه أو ” الطارف ” ( أي واحد ) من الجماعة فكلهم أهل .

وأتذكر أن أهلي رحم الله ميتهم وعافى من بقي منهم كانوا يرسلوني إلى المسجد لأخذ الفطرة ويمثل الآن في ذهني المشهد الآسر حيث يدل على ترابط الناس وتكاتفهم وتعاونهم على الخير وبرهم ببعضهم البعض . يقف بعض الرجال حول جواليق التمر في ساحة المسجد، فهذا يكسر مثل قبضة اليد ويضعها جانباً ل” ينتولها ” آخر ويسلمها للأقرب منه من الحضور من كبار السن قائلاً : سم ، فينتولها ذاك ويقول اسلم .. كثر الله خيركم فيبقيها في يده أو ياهبها في ” حثله ” ، أي يدخلها من فتحة ثوبه لينتهي بها المقام بين سرته المشدود عليها حزام يمنع سقوط ما حولها من أشياء وبين الجزء من الثوب الذي يستر البطن ، أما الأطفال فيبقونها في أيديهم، وهكذا ليأتي دور الأولاد الذين يلتقطونها وينطلقون بسرعة البرق عبر الأزقة عائدين إلى منازل أهلهم فرحين بما تحقق لهم من إنجاز.

أبو العيال يطرف ” يوزع ” الميره ( ما يؤكل ويشرب )

” يطرف ” ( يفرز ) أبو العيال ما يكفي لمدة أسبوع من الطحين والقهوة والسمن ، وسوادي اللحم معدودة في الحمالة بسقف البيت ، ويحفظ ما تبقى في صندوق خاص يحفظ مفتاحه معه أينما حل أو رحل توفيراً للأشياء وحرصاً على مقابلة الظروف الطارئة ، ومن قبيل إدارة حياتهم .. الأزمة .

تعليقك على الموضوع

%d مدونون معجبون بهذه: