الأحد , سبتمبر 24 2017
الرئيسية / مقالات / لواء طيار متقاعد محمد كشك يكتب: مبارك.. رئيس ضيعته الحاشية

لواء طيار متقاعد محمد كشك يكتب: مبارك.. رئيس ضيعته الحاشية

s82014619357

قد يفكر الكاتب مائة مرة قبل أن يكتب عن الرئيس الأسبق مقالا قد يفهم منه أنه دفاعا عنه.. إذ إن مسايرة الجو العام والبعد عن الباب الذى قد تندفع منه الرياح يصبح أمرا مفروضا لأولى العقل، لكن الأمور إذا ماتطلبت نظرة محايدة من أجل ثبر الأغوار للوقوف على الحقائق مجردة، فإننا أول من يتصدى لها مهما كانت التبعات والعواقب.

ولقد منحتننى طبيعة عملى الأسبق كضابط طيار بالكلية الجوية قضيت بين جنباتها أكثر من ثلاثين عاما الفرصة أن أعيش تاريخ هذا الرجل ومن موقع الحدث كما يقولون، فأتقلد مناصب تقلدها هو فى شبابه، وأمارس أعمالا مارسها فى صباه، وأشتم عبق التاريخ فى أماكن عاش وصال وجال فيها فترة قيادته, وأقابل أناس احتكوا به فترات ضحكه وعبوسه, وعسره ويسره, وأتصفح أوراق مهرها بتوقيعه, حتى المدينة الجوية التى عاش فيها مع أسرته, وتربى بها أولاده, والتحقوا بمدرستها “الظافر الابتدائية”, كان لى الفرصة أن أعيش فيها مع أسرتى فترة من الوقت. وأقولها قولة حق أمام الله أن جميع من تعامل مع حسنى مبارك، من قدامى الطيارين, والفنيين, والعاملين المدنيين بالكليه الجوية, حتى “عم عطية الحلاق” عليه رحمة الله، جميعهم قد اتفقوا أن حسنى مبارك خلال عمله بالكلية الجوية، مدرسا لطلبتها, ومتقلدا للكثير من مناصبها، ومديرا لها فى فترة من أحلك فترات مصرنا الحبيبة عقب نكسة يونيو 1967، كان شخصا استثنائيا فى كل شىء، فى انضباطه، وفى مظهره العسكرى، وفى مجهوده الوافر، وفى التزامه، حتى إن المنقب المحايد فى تاريخ الرجل يدرك للوهلة الأولى أن اختيار الرئيس الراحل أنور السادات له كنائب له لم يكن اعتباطا أو ضربا للودع أو احتكاما إلى قرعة أو ماشابه ذلك, وإنما كان نتيجة مؤشرات تقع كلها فى صالح الرجل، خاصة عندما نستعيد أن من اختاره كان “أنور السادات” وجميعنا – والعالم بأسره – يعرف من هو الزعيم السادات.

ولقد كانت السنوات العشر فى حكم مبارك فترة إيجابية له بجميع المقاييس, حتى إن الجميع يجمع على أن حسنى مبارك لو كان قد اكتفى بفترتين رئاسيتين فقط, لكان الناس ترحمت على أيامه وكتبت اسمه بحروف من نور فى كتب التاريخ, وقد ساعده بطبيعة الحال استتباب الأمن مع إسرائيل بما سمح بتوجيه ذاك الجزء من الناتج القومى والذى كان موجها للحرب واستعداداتها إلى التنمية بكافة أبعادها, والأرقام متاحة لمن أراد المقارنة بين بدايات حكمه وما بعد عشر سنوات, خاصة فيما يتعلق بالبنية الأساسية, من طرق تم مدها, وكبارى تم تشييدها, وطاقه كهربائية تم إنتاجها, ومصانع تم إنشاؤها, ثم طفرة فى الاتصالات السلكية واللاسلكية وفى وسائل المواصلات, ثم إن الرجل كان صارما فى محاربة الفساد والفاسدين ويكفينى للاستدلال حديث اللواء فاروق المقريحى لأحد البرامج التليفزيونية وقد كان يشغل مساعد وزير الداخلية للأموال العامة إبان تلك الفترة عندما ذكر أنه لم يكن لديهم خطوط حمراء ضد الفساد أو الفاسدين, وأنهم مافتؤوا يرصدون الفساد أينما كان ومع من يكون.

ولقد كان حسنى مبارك على المستوى الإنسانى بسيطا حانيا, تجده وقد أخد بأحد البسطاء تحت إبطه ليسأله عن أموره وأحواله, أو جلس يشرب الشاى مع إحدى الأسر البسيطة ويتداول معهم الحوار عن مشاكلهم, بخفة دم وبساطة يشهد له بها الجميع.

إذا كان الأمر كذلك, فما الذى حدث حتى يتغير الرجل من ذلك النموذج, المجد المثابر, البسيط المتواضع إلى نموذج “إلهنا هبل العظيم”.

فى رأيى أن الرجل لم يحترم حقائق العلم, وحقائق التاريخ, إذ أنه ومن المعروف علميا – ولنا فى الدول الكبرى المثل والمثال – أن الإنسان له طاقة فى تحمل تبعات المسئولية, وأن مسئولية الدول لايتحملها الإنسان فترة تجاوز العشر سنوات، إذ إن قدرته على استيعاب المسئولية تضمحل تدريجيا بشكل لايجد بدا من الاعتماد على بعض عناصر الدائرة اللصيقة به وتفويضها فى إدارة بعض أمور الدولة, وهو تفويض عرفى يحمل عناصر اتفاق ضمنى مضمونة “تصرف.. لكن لاتزعجنى”. وقد حدث هذا بالفعل حين ظهر دور متنامى لبعض عناصر الفساد فى الدائرة اللصيقة أمثال كمال الشاذلى وزكريا عزمى وصفوت الشريف وغيرهم كثيرون, وقد حرص أولئك على استمرار تلك الأوضاع – التى وجدوا فيها فرصة لاينبغى أن تفلت من أيديهم, من خلال تعميم سياسة “تأليه الزعيم” التى تبنوها وبدأوا فى تنفيذها بالاستعانة بإعلام فاسد, وصحافة مأجورة, وأجهزة سيادية تقمع المعارضين وتوجه الرأى العام, ثم برلمانات صورية تعيد إلى الأذهان صورة المأذون فى رائعة صلاح أبو سيف (الزوجة الثانية) عندما يصبح جل مهمته إيجاد المبرر لتزويج العمدة من فاطمة فى نفس يوم تطليق أبو العلا لها, وبحيث يبدو كل شىء سائرا طبقا للقانون. وفى وسط تلك الأحداث الفاسدة يبدو الرجل مغيبا عن شعبه. ويعيش الكذب الذى نشرته حاشيته فى كل مكان, ويصدق فعلا أنه الزعيم الملهم وأن توجيهاته – إن كانت هناك توجيهات – هى محرك طاقة المجتمع, وإنه رمانة الميزان فى الشرق الأوسط وأفريقيا والعالم العربى والإسلامى، بل لو ترك مع نفسه قليلا لاستطاعوا أن يقنعوه أنه رمانة الميزان للكرة الأرضية كلها.

خلاصه القول إنه أصبح مثل متعاطى المخدرات الذى يعيش لحظات سعيدة لاوجود لها إلا فى مخيلته هو فقط.

ثم يزيد الطين بلة, عندما يتعدى إحساس التأليه من الزعيم إلى أسرة الزعيم، وتؤدى طول الفترة التى عاشها الزوج والوالد فى سدة الحكم إلى تعميق الإحساس لدى الأسرة بالملكية الخاصة, فتستحل الأسرة.. الزوجة والأبناء.. مصر وأهلها.. وتتوه الحدود بين ماهو خاص بما هو عام, وماهو حلال بماهو حرام.. وماهو لصالح الوطن بماهو لصالح الأشخاص, ولولا بقية من حياء لطالبت الأسرة بحقها فى حكم مصر، دون خجل أو حياء، ودون تمثيليات التوريث أو مسلسلات الخلافة، أما عن الرجل فالرجل مازال كما كان مغيبا يتصدر المشهد صوريا بينما يحرك المشهد أياد خفية قد لايكون من بينهم كمال الشاذلى ولكن يظل زكريا عزمى وصفوت الشريف أبطال المشهد الخلفى ومعهم بطبيعة الحال الوليد الجديد جمال مبارك ومعه جوقة جديدة من الحرس الجديد, بينما يستمر فى الخلفية عزف الإعلام الموجة والصحافة المأجورة.. وأجهزة القمع ومعها بصورة تبدو مترابطة يتواجد دائما المأذون الجاهز دوما لإضفاء القانون على ماهو دون القانون.. ويبلغ من غياب الرجل عن الواقع مبلغا فى أواخر أيامه عندما لايدرك أحداث التاريخ.. فعلى الرغم من أحداث ثورة تونس وتوقعات الجميع أن يتخذ الرجل خطوات إصلاحية عاجلة إلا أن الرجل وهو يعيش الغيبوبة يرى أن الدول جميعها يمكن أن يصيبها من ثورات شعوبها ما يصيبها إلا مصر.

والحق أقول إن الثورة تدين بجزء كبير من نجاحاتها إلى حسنى مبارك نفسه, بسبب الغيبوبة التى أحاطت به ومنعته أن يتخذ خطوات إصلاحية عاجلة, كان يمكن أن تثبط عزيمة الثوار, وأن توقف الزخم الثورى قبل أن يصبح تسونامى لا يبقى ولا يذر.

نقطة أخيرة قد لا يرى الكثيرون أن هذا مجالها، إذ أنى لم أقصد بمقالى سوى أن أتوجه فى نهايته إلى السيد رئيس الجمهورية – أيا من كان أو أيا من يكون – إلا لأنصحه أنى جاز لى ذلك إلا يهمل حقائق العقل أو حقائق التاريخ.. وأن أذكره أن أقرب الضمانات لذلك هو ألا تتجاوز فترات رئاسته عما أقره الدستور مهما ابتلى بمنافقين.. ومهما زين له الطبالين والزمارين. وقانا الله ووقاه شرهم وشر تداعياتهم.

تعليقك على الموضوع