الثلاثاء , 25 يوليو 2017
الرئيسية » دين ودنيا » رئيس اتحاد الوطن العربى الدولى يتحدث عن ركائز الدعوة | الشارع نيوز

رئيس اتحاد الوطن العربى الدولى يتحدث عن ركائز الدعوة | الشارع نيوز

بقلم \ الكاتب و المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد اللطيف
المدير التنفيذى لجامعة بيرشام الدولية بأسبانيا , والمدير التنفيذى للأكاديمية الملكية للأمم المتحدة
قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الأنفال: 24، 25].
معنى الاستجابة: الاستجابة: الإجابة؛ أي: أجيبوا، والمعنى: استجيبوا للطاعة، وما تضمَّنه القرآن من أوامر ونواهٍ[1]، والاستجابة أقوى من الإجابة، فيكون دخول السين والتاء للمبالغة؛ إذ المقصود أمرهم أن يجيبوا بقوة)[2].
دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الحياة:
الرسول صلى الله عليه وسلم هو أفضل وأكرم داعٍ إلى الله تعالى، وهو إمام الدعاة وقدوتهم، ولقد بلَّغ أحسن البلاغ وأتمَّه وأكمله، ما توانَى وما قصَّر، ودعا إلى الله تعالى على علم بالله وأسمائه وصفاته، وعلى علم بأحوال قومِه؛ ولهذا لما عارضوه وكذَّبوه، تحمَّل وصبر، وثابر وجاهد في الله حق جهاده، جاهدَهم بالكلمة وبالحجة، وأقام الأدلة على توحيد الله عز وجل، ثم جاهدهم بالسِّنان بعد اللسان، وباللسان بعد السنان؛ لأن الأصل في دعوته هي الكلمة الطيبة، والدعوة بالرفق والتودد، والدعاء لقومه بالهداية، وما لجأ إلى السيف إلا للدفاع عن الدعوة كيلا تقف في طريقها عقبةٌ، ولا يصد عنها صادٌّ، ولا يَحُول بين الناس وبين الدعوة معاندٌ متكبر مفسد في الأرض، فهنا فقط يسلُّ السيف عن كرهٍ وعدم استشراف؛ لأن دعوته إنما هي لإنقاذ الناس من الكفر، وانتشالهم من ظلمات الوثنية والجهالة إلى نور التوحيد والإيمان؛ ولأن رسالته رحمة للعالمين؛ كي يحيا الناس الحياة الطيبة.
ركائز دعوته صلى الله عليه وسلم:
الركيزة الأولى: الدعوة إلى توحيد الله تعالى، وهو عليه الصلاة والسلام لم يَدعُهم إلى الاعتراف بوجود الله، وأنه الخالق الرازق المتصرف في هذا الكون؛ لأنهم كانوا يُقِرُّون بذلك؛ إنما عرَّفهم بالله وبصفاته التي جهِلوها، وأنه لا واسطة بين العبد وبين ربه، فلا حاجة لصنم ولا لوَثَن، وأن الله تعالى قريبٌ من عبده يسمع نجواه، ويعلم سره، وأن الله تعالى هو المعبود وحدَه بحق؛ أي: المطاع، والمشرِّع والحاكم، الآمر الناهي؛ فسبحانه له الخلق وله الأمر، ودعاهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فكان التوحيد حياة؛ لأنه إخراج للناس من الظلمات إلى النور، وتحرير للإنسان من العبودية لغير الله.
الركيزة الثانية: الدعوة إلى الحياة الدائمة والنعيم المقيم في الدار الآخرة:
فقد كانت تصوُّرات الجاهلية عن البعث والحساب تصوراتٍ خاطئةً؛ حيث إنهم كانوا يُنكِرون البعث بعد الموت، وأنه كيف تعاد هذه الأجساد بعد أن صارت ترابًا وعظامًا نخرة؟ مع أنهم كانوا يُقِرُّون بأن الله تعالى هو الذي خلقهم أول مرة، وهل إعادة الخلق أصعبُ من بدايته؟ وفي هذا يقول عز وجل: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [العنكبوت: 19، 20].
الركيزة الثالثة: تزكية النفس والسموُّ بها، وذلك بالدعوة إلى التخلِّي عن عادات الجاهلية، والتحلي بمكارم الأخلاق، وتهذيب النفس وترويضها؛ كي يكون هواها تبعًا لما جاء به الإسلام الحنيف، وكذلك بفرض عبادات مِن شأنها صنع إنسان من طراز خاص، يحب الله ولقاءه، ويحرصُ على الموت حرصَ الكافر على الحياة؛ لأن ما عند الله خيرٌ وأبقى، ولأن هذه الدنيا فانية، فهو يُقدِّم لنفسه، ويسعى إلى دار البقاء والخلود والنعيم الدائم والحياة الطيبة.

الركيزة الرابعة: حفظ كيان الجماعة المسلمة؛ ولهذا كان يأمرهم بالصبر وتحمُّل التعذيب، وأمر بعضهم بالهجرة إلى الحبشة؛ فرارًا بالدين وهروبًا من الأذى والاعتداء على النفس، ولم يأمُرْهم ولم يسمح لهم بقتال أو دفاع عن النفس؛ كيلا تنشأ معاركُ واقتتال داخل البيوت، أو في شعاب مكة، وقد كان الصبر والاحتمال في هذه المرحلة تشريعًا متبعًا، لا يستطيع أحدٌ أن يخرج عنه أو أن يخالفه.
الركيزة الخامسة: تشريع الجهاد، ولقد كان الجهاد بمكة جهادَ بيان وتبليغٍ وتلاوة لآيات الله عز وجل، وذكر لدلائل الوحدانية وقصص السابقين ومَصارِع المكذِّبين، ثم لما صار للمسلمين دولةٌ وكيان، ولم ينتهِ المشركون عن عدائهم، وقصدوا المسلمين في وطنهم الجديد، شُرع الجهاد بالسيف حمايةً للدعوة ورجالها وأرضها.

ومِن هنا كانت دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم دعوةً إلى الحياة والإحياء، فالإيمان بالله الواحد حياة، والقرآن الكريم حينما يتلى ويُسمع تحيا به القلوب، وكذلك الصبر وضبط النفس حفظًا للجماعة من الفناء حياةٌ لها.
معنى قوله تعالى: ﴿ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ [الأنفال: 24]:
يقول ابن إسحاق: (وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ [الأنفال: 24]؛ أي: للحرب التي أعزَّكم الله بها بعد الذلِّ، وقوَّاكم بها بعد الضعف، ومنَعكم بها عدوكم بعد القهر منهم لكم)[3].

ويقول ابن القيم: (فتضمَّنت الآية أمورًا: أحدها: أن الحياة النافعة إنما تحصل بالاستجابة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فمَن لم تحصل له هذه الاستجابةُ فلا حياة له، وإن كانت له حياة بهيمية مشتركة بينه وبين أرذل الحيوانات، فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياةُ مَن استجاب لله والرسول صلى الله عليه وسلم ظاهرًا وباطنًا، فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا، وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان؛ ولهذا كان أكمل الناس حياةً أكمَلَهم استجابة لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن كل ما دعا إليه ففيه الحياة، فمَن فاته جزء منه فاته جزء من الحياة، وفيه من الحياة بحسب ما استجاب) [4].

فمَن أراد الحياة الطيبة، فعليه بالمبادرة بالاستجابة الكاملة والأعمال الصالحة والإيمان بالله تعالى؛ قال عز وجل: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97].

إن الحياة التي دعا إليها الرسول عليه الصلاة والسلام هي حياة التحرُّر من العبودية لغير الله، وهي حياةٌ لا تتحكم فيها الشهواتُ والأغراض الدَّنيئة، هي حياة (الضمير) الذي لا يرضى بالفساد في الأرض، ولا يسكت عن الظلم، ولا يكتم كلمة الحق، ولا تنام عينه؛ لأن له أخًا جائعًا أو مظلومًا أو مقهورًا، ولا يعرف وجهه الضحك أو الابتسام؛ لأن أمَّته تعاني الضعف والضياع، ولا تصارع الفقر والتخلف، بل ترضى وتستسلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
كيف يَحُول الله تعالى بين المرء وقلبه؟
يقول ابن القيم: (المشهور في الآية أنه يَحُول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان، ويحول بين أهل طاعته وبين معصيته، وبين أهل معصيته وبين طاعته، وهذا قول ابن عباس وجمهور المفسرين، وفي الآية قولٌ آخر هو أن المعنى أنه سبحانه قريبٌ من قلبه، لا تخفى عليه خافية، فهو بينه وبين قلبه، وهذا أنسب بالسياق؛ لأن الاستجابة أصلها بالقلب، فلا تنفع الاستجابة بالبدن دون القلب، فوجه المناسبة أنكم إن تثاقلتم عن الاستجابة وأبطأتم عنها، فلا تأمنوا أن الله يَحُول بينكم وبين قلوبكم، فلا يُمكِّنكم بعد ذلك من الاستجابة؛ عقوبةً لكم على تركها بعد وضوح الحق واستبانته، ففي الآية تحذير من ترك الاستجابة بالقلب، وإن استجاب بالجوارح، وفي الآية سر آخر، وهو أنه جمع لهم بين الشرع والأمر به، وهو الاستجابة، وبين القدَر والإيمان به) [5].

________________________________________

[1] تفسير القرطبي، جزء4 ص 2825.

[2] سورة الأنفال عرض وتفسير؛ د. مصطفى زيد ص 119.

[3] السيرة النبوية؛ لابن هشام، جزء2 ص 234.

[4] الفوائد؛ ابن القيم ص 120.

[5] الفوائد ص 123.

تعليقك على الموضوع

%d مدونون معجبون بهذه: