الثلاثاء , 25 يوليو 2017
الرئيسية » دين ودنيا » رئيس اتحاد الوطن العربى الدولى يتحدث عن النهي عن السخرية | الشارع نيوز

رئيس اتحاد الوطن العربى الدولى يتحدث عن النهي عن السخرية | الشارع نيوز

بقلم \ الكاتب و المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد اللطيف
المدير التنفيذى لجامعة بيرشام الدولية بأسبانيا , والمدير التنفيذى للأكاديمية الملكية للأمم المتحدة
مما لاشك فيه أن السخرية هي: الاستهانةُ والتحقيرُ والتنبيه على العيوب والنقائصِ على وجهٍ يُضحك منه، وقد يكون بالمحاكاةِ في الفعل والقول، وقد يكون بالإشارةِ والإيماء، وإذا كان بحضرة المستَهْزَأ به لم يسمَّ ذلك غِيبةً، وفيه معنى الغِيبة؛ (الإحياء: 3/ 176).

النهي عن السُّخْرِية في القرآن الكريم:
1 – قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الحجرات: 11].

قال الحافظ رحمه الله: “إن مَن فَعَل إحدى الثلاث: السُّخْرِية – النبز – اللَّمز، استحقَّ اسمَ الفسوق، وهو غاية النَّقص بعد أن كان كاملَ الإيمان”.

ومجمل القول: أن الله عز وجل قد نهى المؤمنين أن يسخر أحدُهم من أخيه؛ لفقرٍ نزل به، أو لذنبٍ ارتكبه، وألا يتنابزوا بالألقاب.

ويُفهم من الآية أن السَّاخر يكون دائمًا أقلَّ شأنًا ممَّن يَسخر منه، حتى وإن كان الساخر أرفع شأنًا ممَّن يسخر منه، فقد هبط بسخريتِه وانخفض عنه منزلةً عند الله.

قال الطبري رحمه الله في قوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ ﴾ [الحجرات: 11] الآية: “إن الله عمَّ – بنهيه المؤمنين عن أن يَسخر بعضُهم من بعضٍ – جميعَ معاني السُّخْرِية، فلا يحلُّ لمؤمنٍ أن يسخر من مؤمن؛ لا لفقرِه، ولا لذنبٍ رَكِبَه، ولا لغير ذلك”؛ (تفسير الطبري: 11/ 83).

وقال الطبري رحمه الله أيضًا في قوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ ﴾ [الحجرات: 11] الآية: “يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدَّقُوا اللهَ ورسولَه، لا يهزأ قومٌ من قومٍ مؤمنين؛ ﴿ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ ﴾ [الحجرات: 11]؛ أي: المهزوء منهم خيرٌ من الهازئين، ﴿ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ ﴾ [الحجرات: 11]؛ أي: ولا يهزأ نساءٌ مؤمناتٌ من نساءٍ مؤمنات، عسى المهزوء منهنَّ أن يكنَّ خيرًا من الهازئات”؛ (تفسير الطبري: 11/ 83).

وقال القرطبي رحمه الله عند قوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ ﴾ [الحجرات: 11] الآية: “وبالجملة فينبغي ألاَّ يجترئ أحدٌ على الاستهزاء بمَن يقتحمه بعينه إذا رآه رثَّ الحال، أو ذا عاهةٍ في بدَنه، أو غير لبيقٍ في محادثته، فلعلَّه أخلص ضميرًا، وأنقى قلبًا ممَّن هو على ضدِّ صفته، فيظلم نفسَه بتحقير مَن وقَّرَهُ الله، والاستهزاء بمَن عظَّمَهُ الله”؛ (تفسير القرطبي: 16/ 325).

وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ ﴾ [الحجرات: 11]:
“ينهى تعالى عن السُّخْرِية بالناس واحتقارِهم والاستهزاء بهم، كما ثبت في “الصحيح” عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الكبر بطرُ الحقِّ[1]، وغَمْط الناس[2]))، والمراد من ذلك احتقارُهم واستصغارهم، وهذا حرام؛ فإنه قد يكون المحتقَر أعظم قدرًا عند الله وأحبَّ إليه من الساخِر منه، والمحتقِرِ له؛ ولهذا قال تعالى:﴿ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ [القلم: 11]؛ أي: إنه يحتقر الناسَ ويهمزهم طاغيًا عليهم، ويمشي بينهم بالنميمة”؛ (تفسير ابن كثير: 4/ 212).

سبب نزول قوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ ﴾ [الحجرات: 11]:
قال ابن عباس رضي الله عنهما: “نزلَت في ثابت بن قيس بن شمَّاس، كان في أذنِه وَقْر، فإذا سبقوه إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم أوسَعُوا له إذا أَتى حتى يجلسَ إلى جانبه ليسمع ما يقول، فأقبل ذات يوم وقد فاتَته من صلاة الفجر ركعةٌ مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما انصرف النبيُّ صلى الله عليه وسلم أخذ أصحابُه مجالسهم منه، فربض كلُّ رجلٍ منهم بمجلسه، وعَضُّوا فيه[3]، فلا يكاد يُوسِع أحدٌ لأحدٍ، حتى يظلَّ الرجل لا يجد مجلسًا فيظل قائمًا.

فلما انصرف ثابت من الصلاة تخطَّى رقابَ الناس، ويقول: تفَسَّحُوا، تفَسَّحُوا، ففسَحُوا له حتى انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبينه وبينه رجلٌ، فقال له: تَفَسَّح، فقال له الرجل: قد وجدتَ مجلسًا فاجلس، فجلس ثابت من خلفه مغضبًا، ثم قال: مَن هذا؟ قالوا: فلان، فقال ثابت: ابن فلانة! يُعَيِّرُهُ بها، يعني أمًّا له في الجاهلية، فاستحيا الرجل؛ فنزلت: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ ﴾ [الحجرات: 11]”؛ (تفسير القرطبي: 16/ 325).

وقال الضحاك رحمه الله: “نزلَت في وفدِ بني تميم، كانوا يستهزئون بفقراء الصَّحابة مثل عمَّار، وخبَّاب، وبلال، وصُهَيب، وسلمان، وسالِم – مولى أبي حذيفة -… وغيرهم؛ لِمَا رأوا من رَثاثة حالهم، فنزلَت في الذين آمنوا منهم”؛ (المصدر السابق).

وقيل: “نزلَت في عكرمة بن أبي جهل حين قدم المدينة مُسلمًا، وكان المسلمون إذا رأوه قالوا: “ابن فِرعون هذه الأمة”، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلَت”؛ (المصدر السابق).

وفي قوله تعالى: ﴿ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ﴾ [الحجرات: 11]:
قال القرطبي رحمه الله: أفرد النساء بالذِّكر؛ لأن السُّخْرِية منهنَّ أكثر.

وقال: “قال المفسِّرون: نزلَت في امرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم سَخِرَتَا من أم سلمة”؛ (تفسير القرطبي رحمه الله: 16/ 326).

ورُوِي عن أنس وعكرمة وابن عباس رضي الله عنهم: “أنها نزلت في صفية بنت حُيَيِّ بن أخطب، أمِّ المؤمنين رضي الله عنها، وذلك أنها أتَت النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن النساء يُعَيِّرْنَنِي، ويقلنَ لي: يهوديَّة بنت يهوديين! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هلاَّ قلتِ: إن أبي هارون، وإن عمِّي موسى، وإن زوجي محمد))، فأنزل الله هذه الآية”؛ (المصدر السابق).

وقيل: “إنها نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا عيَّرْنَ صفية بالقِصَر”.

وقيل: “نزلَت في عائشة رضي الله عنها أنها أشارَت بيدها تقصد صفيةَ وتعني أنها قَصيرة”.

وفي قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ [الحجرات: 11] فجعل اللاَّمِزَ أخاه لامِزًا نفسَه؛ لأن المؤمنين كرجلٍ واحدٍ فيما يلزم بعضهم لبعضٍ من تحسين أمره وطلب صلاحه ومحبتِه الخير؛ ولذلك جاء في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((المؤمنون كالجسدِ الواحد؛ إذا اشتكَى منه عضو، تداعى له سائرُ جسدِه بالحمَّى والسهر))؛ (تفسير الطبري: 11/ 83).

وقال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومقاتل في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ [الحجرات: 11]؛ أي: لا يطعن بعضُكم على بعض.

وفي قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ﴾ [الحجرات: 11] قال الطبري رحمه الله: “اختلف أهلُ التأويل في الألقاب التي نهى اللهُ عن التنابز بها في هذه الآية، فقال بعضهم: عنى بها الألقاب التي يَكْرَه النبزَ بها المُلَقَّبُ، وقالوا: إنما نزلَت هذه الآية في قومٍ كانت لهم أسماء في الجاهلية، فلمَّا أسلموا نُهوا أن يَدعو بعضُهم بعضًا بما يكره من أسمائه التي كان يُدْعَى بها في الجاهلية”.

والحديث رواه الإمام أحمد عن أبي جبيرة بن الضحاك قال: “فينا نزلَت – في بني سلمة -: ﴿ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ﴾ [الحجرات: 11]، قال: قدِم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وليس فينا رجلٌ إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعي أحدٌ منهم باسمٍ من تلك الأسماء، قالوا: يا رسول الله، إنه يغضب من هذا، فنزلت: ﴿ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ﴾ [الحجرات: 11]”.

وقال آخرون: “بل ذلك قول الرجل المسلم للرجل المسلم: يا فاسق، يا زاني”.

وقال آخرون: “بل ذلك تسميةُ الرجلِ الرجلَ بالكفر بعد الإسلام، وبالفسوقِ والأعمال القبيحة بعد التوبة”، ثم قال: “والذي هو أولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكرُه نهى المؤمنين أن يتنابزوا بالألقاب، والتنابز بالألقاب: هو دعاءُ المرء صاحبَه بما يكرهه من اسمٍ أو صفة، وعمَّ اللهُ بنهيه ذلك، ولم يخصص به بعضَ الألقاب دون بعض؛ فغير جائزٍ لأحدٍ من المسلمين أن ينبز أخاه باسمٍ يكرهه أو صفةٍ يكرهها”؛ (تفسير الطبري: 11/ 85).

وقوله: ﴿ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ﴾ [الحجرات: 11]؛ أي: بئس الصفة والاسم الفسوق، وهو: التنابُز بالألقاب – كما كان أهل الجاهلية يتنَاعتون – بعدما دخلتم في الإسلام وعقلتموه، ثم قال: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ ﴾ [الحجرات: 11]؛ أي: مِنْ هذا ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الحجرات: 11].

والتنابز بالألقاب من السُّخْرِية:
ممَّا سبق يتَّضح لنا: أن التنابز بالألقاب إنما هو داخلٌ في مفهوم السُّخْرِية، كما دخل فيها مفهوم الهَمْز واللَّمْز، ومِن ثمَّ يكون اللَّمز والتنابز بعد ذكر السُّخْرِية من قبيل ذكر الخاصِّ بعد العام، اهتمامًا به، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ [الرحمن: 68]؛ إذ النخلُ والرمَّان من الفاكهة أيضًا.

وأيضًا نظير هذا في قوله تعالى: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ [البقرة: 238]، فمع أن الصلاة الوسطى (العصر) من جملةِ الصلوات إلاَّ أنها ذُكرَت بعد ذِكر الصلوات؛ وهذا من باب ذِكر الخاصِّ بعد العام لبيان أهميَّة الخاص.

الهمز واللمز من السُّخْرِية:
قال تعالى: ﴿ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾ [القلم: 10 – 13].

وقال تعالى:﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ﴾ [المطففين: 29، 30].

وقال تعالى: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾ [الهمزة: 1].

قال القرطبي رحمه الله في “تفسيره” (10/ 413): “قال سفيان الثوري:
الهُمزة: الذي يهمز بلسانه، واللُّمزة: الذي يلمز بعينيه، وقال ابن كَيسان: الهمزة: الذي يؤذِي جلساءه بسوء اللفظ، واللُّمزة: الذي يكسر عينه على جليسه، ويشير بعينِه ورأسه وبحاجبَيه (سخرية به)”. اهـ.

ويقول يحيى المعلمي: “الهَمْزُ: هو السُّخْرِية من الناس بالإشارة؛ كتحريك اليد قُرب الرأس إشارة إلى الوصف بالجنون، أو الوغض بالعين رمزًا للاستخفاف…، أو نحو ذلك من الحركات، واللَّمز: هو السُّخْرِية من الناس بالقول؛ كتسمية الشخص باسمٍ يدلُّ على عاهةٍ فيه أو مرض، أو اتِّهامه بخليقةٍ سيئة، أو التعريض بذلك”؛ (مكارم الأخلاق في القرآن الكريم: ص – 333).

التهكُّم والتعيير من السُّخْرِية:
المراد بالتهكُّم: ما كان ظاهره جدًّا وباطنُه هزلاً، يقول الكفوي: ولا تخلو ألفاظ التهكُّم من لفظٍ من الألفاظ الدالَّة على الذمِّ أو لفظة معناها الهجو”؛ (الكليات للكفوي: 2/ 87).

ومن ثمَّ كان التهكُّم من السُّخْرِية، أما التعيير بالفقر أو الذنب أو العلة أو ما شابه ذلك، فقد نصُّوا على أنه من السُّخْرِية، وقد مرَّ بنا قولُ الإمام الطبري رحمه الله في “تفسيره” (11/ 83): “عمَّ اللهُ – بنهيه المؤمنين عن أن يسخَر بعضُهم من بعض – جميعَ معاني السُّخْرِية؛ فلا يحلُّ لمؤمن أن يسخرَ من مؤمنٍ؛ لا لفقره، ولا لذنبٍ رَكِبه، ولا لغير ذلك”. اهـ.

2 – قال تعالى:﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ﴾ [المطففين: 29، 30].

وسبب نزول هذه الآية:
قال النيسابوري: “قال المفسرون: هم مشركو مكَّة: أبو جهل، والوليد بن المغيرة وأضرابهما، كانوا يضحكون من عمَّارٍ، وصهيب، وبلال…، وغيرِهم من فقراء المؤمنين”؛ (غرائب القرآن ورغائب الفرقان: 12/ 51).

وقيل: “جاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه في نفرٍ من المسلمين، فسخر منهم المنافقون، وضحكوا وتغامزوا، ثم رجعوا إلى أصحابهم، فقالوا: رأينا اليوم الأصلعَ، فضحكوا منه، فنزلت هذه الآيُ قبل أن يصل عليٌّ رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم “؛ (المصدر السابق).

قال الطبري رحمه الله في تفسيره الآيات: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ﴾ [المطففين: 29] الآيات: “إن الذين اكتسبوا المآثمَ، فكفروا بالله في الدنيا، كانوا فيها من الذين أقرُّوا بوحدانية الله وصدَّقُوا به يضحكون استهزاء منهم بهم، وكان هؤلاء الذين أجرموا إذا مرَّ الذين آمنوا بهم يتغامزون؛ أي: يغمز بعضهم بعضًا بالمؤمن استهزاءً به وسخرية”؛ (تفسير الطبري: 12/ 70).

3 – وقال تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ [المؤمنون: 109 – 111].

قال القرطبي رحمه الله في “تفسيره” لهذه الآية (12/ 155):
“يُستفاد من هذا: التحذير من السُّخْرِية والاستهزاء بالضعفاء والمساكين، والاحتقارِ لهم والإزراء عليهم، والاشتغالِ بهم فيما لا يعني، وأن ذلك مُبعِد من الله عز وجل”. اهـ.

4 – وأخرج الترمذي من حديث أم هانئ رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند قوله تعالى:
﴿ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ ﴾ [العنكبوت: 29]، قال: ((كانوا يحذفون[4] أهلَ الأرض، ويسخرون منهم)).

________________________________________
[1] بطر الحق؛ أي: إنكاره، والاستنكاف عن قبوله، وردُّه.
[2] غمط الناس: قال ابن الأثير رحمه الله: غمطت حقَّ فلان: إذا احتقرتَه ولم تره شيئًا، ويقال: غمصته: إذا انتقصته وازدريت منه.
[3] عَضُّوا فيه؛ أي: تمسَّك كلٌّ منهم بمجلسه لا يريد أن يبرحه.
[4] يحذفون: أصل الحذف هو الرمي بحصاة تكون بين الأصابع، والقصد أنهم يحتقرون أهلَ الحق ويسخرون منهم.

 

تعليقك على الموضوع

%d مدونون معجبون بهذه: