السبت , نوفمبر 25 2017
الرئيسية / إستشارات حياتية / رئيس اتحاد الوطن العربى الدولى يتحدث عن التربية الروحية ومسئولية المربين | الشارع نيوز

رئيس اتحاد الوطن العربى الدولى يتحدث عن التربية الروحية ومسئولية المربين | الشارع نيوز

بقلم \ الكاتب و المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد اللطيف
المدير التنفيذى لجامعة بيرشام الدولية بأسبانيا , والمدير التنفيذى للأكاديمية الملكية للأمم المتحدة
مما لاشك فيه أن التعاون بين البيت والمدرسة والمسجد له الأثَر البالِغ في تربية الطِّفل التربية الصَّحيحة القويمة، التي يَنهجها الإسلام لأبنائه، والتي يَجب أن يتخلَّقوا بها في سلوكهم وأفعالهم، وأقوالهم وتصرُّفاتهم.

إنَّ البيت هو الرَّكيزة الأولى التي يشبُّ فيها الطفل، فهو بمثابة التربة للنَّبات؛ فإن صلَحَت كان النَّبات صالحًا طيِّبَ المنبت، وإلَّا فلا.

ويسعى البيتُ إلى تربية الطِّفل التربية الجِسمية، ولا بدَّ أن يتلقَّى الطفل هذا الحقَّ من قِبَل والديه؛ فإنَّ مَن يهملْ طفلَه يُضيِّعْه ويتحمَّل إثمًا مبينًا ووِزرًا كبيرًا في حقِّ نفسه أمام الله تعالى؛ فالأطفال هم أمَانة في أعناق آبائهم، فقد روى أبو داود عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: ((كفى بالمرء إثمًا أن يضيِّع من يَعول))، فرِسالة البيت هي الرِّعاية والعناية بالطِّفل منذ النَّشأة الأولى.

وتأتي المدرسة لاستقبال هذا الطِّفل من بين أحضان والدَيه لتربيته وتقويمه نفسيًّا وعقليًّا، وتقدِّم له المعارِفَ المختلفة، التي توسِّع مداركَه وتفتح عقلَه إلى إدراك كلِّ ما يدور حوله، فللعلم الأثرُ البالِغ في تكوين شخصيَّة الطِّفل وازدهار نموِّه العقلي والفِكري، حتى يفكِّر فيما يدور حولَه بأسلوبٍ علميٍّ ومعرفيٍّ دون جهل أو غباء.

وفَضل العلم عظيم في نَظر الإسلام، ويدعو له، فمن فضائله أن: ((مَن خرج في طلَب العلم، فهو في سبيل الله حتى يرجع))، وأيضًا: ((إنَّ الملائكة لتضعُ أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع، وإنَّ العالِم ليَستغفرُ له مَن في السموات ومَن في الأرض، حتى الحيتان في الماء))؛ رواه أبو داود والترمذي.

ثمَّ تأتي رسالة المسجد في التركيز والتوجيه للتربية الروحيَّة لدى الطفل؛ فالطِّفل يَستشعر في المسجد الهدوءَ النَّفسي والتوازن الرُّوحي؛ ففيه يصلِّي في جماعة، فيتعلَّم منها النِّظام والمشارَكة الإيجابيَّة، وفيه يتعلَّم القرآن، وفيه يرى القدوةَ الحسَنة من المسلمين.

ومن ثمَّ يتعوَّد النَّظافة والطهارة، ويدرِك الصفاء الروحي الذي يتعلَّق به تجاه المسجد، وهذا الصَّفاء الروحي يأتيه من تِلاوة القرآن الكريم، وحفظ الملائكة له، وإنزال السَّكينة والرَّحمة في قلبه، فروى مسلِم عن أبي هريرة رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما اجتمع قومٌ في بَيت من بيوت الله، يَتلون كتابَ الله ويتدارَسونه فيما بينهم، إلَّا نزلَت عليهم السَّكينةُ، وغَشيَتهم الرَّحمة، وحفَّتهُم الملائكة، وذكرهم اللهُ فيمن عنده))؛ تِلك هي رسالة المسجد السَّامية، التي يَجب أن نُعَوِّد عليها الطفل منذ نعومة أظفاره؛ حتى يشبَّ على دِينٍ وفطرة سليمة قويمة لا يشوبها انحرافٌ أو همجيَّة.

فمن خلال تكامل دور كلٍّ مِن البيت والمدرسة والمسجد، تُبنى شخصيَّة الطِّفل البناء القويم، ويُعوَّد على النِّظام السَّديد، وقد تكوَّنَت روحه الصَّافية الطاهرة، وتَفتَّح عقلُه بنبوغ العِلم والمعرفة، وبسط جِسمه بالصحَّة والعافية، ونتيجة لكلِّ ذلك يعدُّ عضوًا نافعًا فعَّالًا في بناء المجتمع، فيَنفع نفسَه وأهلَه، ويُسعد مجتمعه.

وعلى هذا؛ كان لا بدَّ من إيجاد التوازن بين تَوجيه البيت والمدرسة، واستشعار الطِّفل بأهميَّة المسجد والصلاة وأفضليَّة الجماعة، وعلى المربِّين داخل مدارسنا السَّعيُ حثيثًا نحو إيجاد الطِّفل المتوازن سلوكيًّا ونفسيًّا، والاهتمام بتدريس مادَّة التربية الإسلاميَّة في مدارسنا، وجعلها مادَّة أساسيَّة وليست فرعيَّة، وأن تُعطى لها الأهميَّة الكبيرة، وتغليف المناهج بالمسحَة الدينيَّة الإسلاميَّة، التي من خِلالها يدرِك الطفلُ ويتعلَّم أنَّ الإسلام دِين يَهتم بالعِلم والعمَل، والسَّعي نحو تَحصيل العلوم بشتَّى أنواعها ومعارفها، ويبيَّن للطفل أنَّ العلم النَّافع هو طريق النَّجاح، ولن يحصل على العِلم إلاَّ بالاستقامة وطاعةِ الله والوالدين وأُولي الأمر والمعلِّمين، وإيجاد حلقات علميَّة ودينيَّة في مساجدنا بكلِّ حيٍّ بعد بعض الفروض؛ للتفقُّه ومدارسة العِلم والقرآن الكريم والسنَّة النبوية المطهرة، وعلى أن يكون القائم حُجَّة وعالمًا يُقتدى به، ويُقبِل نحوه المتعلِّمون، ولا يُنفِّرهم في العلم بالأسلوب الجاف، واقتباس العلوم والمعارف يَحتاج إلى رَغبة تعتمل في نَفس المتلقي.

فإذا حصل التوافق والتآلُف بين دور كلٍّ من البيت والمدرسة والمسجد، ونشأ الطِّفل على هذا التوافق، فإنَّه يُحاطُ بسِياج الأخلاق الفاضِلة، فتمنعه نفسُه أن يُخالط السُّفهاءَ، أو أن يَفعل منكرًا، فيكون بذلك مخلِصًا نافعًا وخيِّرًا، وتتأصَّل في نفسه هذه الخصال، وتعدُّ طبيعة قد جُبل عليها منذ صغره؛ لأنَّه قد أطاع اللهَ ورسولَه، وتكون منزلتُه مع الذين أَنعم الله عليهم من النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴾ [النساء: 69، 70

تعليقك على الموضوع