الجمعة , سبتمبر 22 2017
الرئيسية / مقالات / حــســـــن زايــــــــــد .. يكتب : لـــعــنـة الــكــــراســـي | الشارع نيوز
حسن زايد

حــســـــن زايــــــــــد .. يكتب : لـــعــنـة الــكــــراســـي | الشارع نيوز

 

 

يعرف المصريون ما يطلق عليه اصطلاحاً بـ : ” لعنة الفراعنة ” . ولعنة الفراعنة بعيداً عن كونها أسطورة الأساطير ، تم الترويج لها ، من باب التخويف والترويع ، بقصد إقصاء اللصوص والنباشين ، عن سرقة تراث الفراعنة ، وما خلفوه من آثار . فإذا امتدت أيديهم إليه ، حلت بهم اللعنة ، وأصابتهم أسباب الهلاك والدمار، وأصبحوا عبرة لمن يعتبر . وقد قيل في معرض الحديث عن تلك اللعنة الغريبة ، أنها بالفعل لعنة واقعية ، وقد أصابت بعض العاملين في مجالي الحفر والتنقيب عنها ، بأسباب الهلاك ، وقد هلك بعضهم بالفعل . وتم توثيق هذه الوقائع . وقد قيل في معرض تفسير تلك الوقائع الحديثة ، أنها ترجع لأسباب طبية بحته . فالمقابر المغلقة لفترات طويلة ، تنمو بداخلها أنواع من البكتريا الضارة ، أو الميكروبات الفتاكة ، التي تصيب من أصيب بها بالهلاك . وبالقطع أن أول من يستقبل هذا النوع من البكتريا أو الميكروبات ، هو القائم بالتنقيب أو الحفر عن الأثر . وللأمانة العلمية فإنني أقتقر إلي المراجع في هذا الباب ، وما أسطره يستند إلي مراجع سماعية غير موثقة . ولا أدري إن كانت هذه اللعنة حقيقة أم أسطورة ، قديمة أم حديثة . ما يهمني هو التأكيد علي وجود فكرة اللعنات في أذهان المصريين وعقيدتهم . ومن بين تلك اللعنات لعنة الكراسي . ويبدو أن هذه اللعنة ترجع إلي عصور الفراعنة ، وقد أدي التصارع حولها إلي سقوط الأسر الحاكمة ، والصراع بين الأسر بعضها البعض . والكرسي من أيامها له بريق يخلب الألباب ، ويهيمن علي القلوب ، ويذهب بالعقول كل مذهب . لأن الجلوس عليه كان يرتب لصاحبه مكانة تعلو الجميع ، ومزايا سلطة لا تتوفر لغيره ، حتي وصلت بفرعون إلي إدعاء الألوهية . ويبدو أن الصغار توارثوها عن الكبار ، كل بحسب الكرسي الذي يجلس عليه ، حتي وصلنا في النهاية إلي مجموعة من الفراعين الصغيرة ، تحتل عدد من الكراسي ، تمثل مفاصل الدولة ، الكبيرة والصغيرة . وصار كل منهم فرعون في نفسه ـ مهما صغر قدره ، وانحطت قيمته ، وحقر دوره ـ يدعي أن له ملك مصر ، وتلك الأنهار تجري من تحته . إنه زمن الفراعين الصغار . وربما كان الفرعون فيما مضي ، صغر أم كبر ، يجري تأهيله علمياً ، وعملياً ، وتهيئته نفسياً ، حتي يكون أهلاً للكرسي ، الذي يجلس عليه ، ويمتليء به الكرسي . وكنت تستشعر مع هؤلاء الفراعين ، وفرعنتهم ،  أنهم علي ضآلتهم المرجع في المعارف ، والسند في الإجراءات ، والمثل في اتخاذ القرارات ، والقدوة الحسنة ، في المحافظة علي صالح العمل ، والصالح العام ، وذلك علي قدر الكرسي الذي يحتله . أما اليوم إذا نظرت في الأمر ، فستجد عجباً . ستجد أن هناك من يحتل الكراسي ، ويتصدر الواجهة ، وهو باهت ، حائل اللون . احتل مكانته إما بطريقة غير شرعية ، أو بطريقة شرعية بلهاء . أما الطريقة غير الشرعية فهي الغالبة ، حيث يتم الإختيار من بين مرشحين استناداً إلي درجة القرابة بمسئولين كبار تزلفاً أو مسئولين صغار مجاملة ، أو هوي في النفس غالب . ولن أتحدث عن باب الرشا السافرة والمقنعة . والطريقة الشرعية البلهاء ، يتم فيها الإختيار وفق معايير غير مفعلة ، حيث يتواري رأي لجنة الإختيار ويختفي ، ويعتد في إصدار القرار برأي الرئيس المباشر ، فإن لم يتوفر كل ذلك يتم إختيار  أفضل الأسوأ. وتكون النتيجة المنطقية والطبيعية لذلك ، اختيار قيادات في مستوي وكيل وزارة ، ومدير عام ، ومدير إدارة ، ورؤساء أقسام ، لا يرقي أحدهم لدرجة موظف صغير ، لا فكراً ، ولا عقلاً ، ولا ثقافة ، ولا تأهيلاً نفسياً ، ولا قدرة علي اتخاذ قرار ، أو إبداء رأي من أي نوع . ويشعرون بالدونية ويتصرفون علي أساسها ، تحس ذلك وتلمسه في كل ما يصدر عنهم من تصرفات . ويتصرفون علي أن قبر الكفاءات وتدميرها مصلحة وجودية بالنسبة لهم . تكتل فساد يشعر بحياته ونموه ورعرعته وانتشاره وتوغله ، في تكتله وتمسكه وقدرته علي طرد العناصر الغريبة عنه ، أو إقصاءها ، أو قبرها ، باختلاق المشاكل والعقبات والعراقيل في طريقها ، فتموت زهقاً وكمداً ويأساً وإحباطاً . والطريف في الأمر أنك تجد هذه النوعية من البشر ، نهمة للسلطة ، واعتلاء الكراسي ، نهماً لا يهمد بما هم فيه ، وليسو له أهل ، ويحاربون في سبيل ذلك حرباً شرسة ، قد تتجاوز حدود الأدب واللياقة . وإذا تسلطوا بسلطة وجدتهم يمتشقون قول فرعون : ” لا أريكم إلا ما أري ، ولا أهديكم إلا سبيل الرشاد ” . تلك هي لعنة الكراسي ، التي أصابت المصريين بداءات أشد لعنة ، وأكثر فتكاً ، وأعتي هلاكاً من لعنة الفراعنة

تعليقك على الموضوع