الثلاثاء , نوفمبر 21 2017
الرئيسية / منوعات / رئيس اتحاد الوطن العربى الدولى يتحدث عن الإبداع والتربية الإبداعية | الشارع نيوز
الدكتور خالد محمود عبد اللطيف

رئيس اتحاد الوطن العربى الدولى يتحدث عن الإبداع والتربية الإبداعية | الشارع نيوز

بقلم \ الكاتب و المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد اللطيف
المدير التنفيذى لجامعة بيرشام الدولية بأسبانيا , والمدير التنفيذى للأكاديمية الملكية للأمم المتحدة
مما لاشك فيه ان الإبداع يعد من أهم الأهداف التربوية التي تتوقُ المجتمعات الإنسانية الطموحة إلى تحقيقها، بل يظل لغة الإنسان العليا، التي تنضج معها بالصَّقل، على الرغم من الرأي القائل بفطريَّة وجبِلِّية الإبداع؛ فإنالفرد بذاته لا يولَد مبدعًا من أول وهلة، بيدَ أن بذور أو (جينات) الإبداع تولَد معه، وقد تموت معه إذا لم تجِد ساقيًا ينمِّي جذورها، ويفرع أغصانها في المجتمع الذي هو بحاجة ماسَّة إلى مخرَجاته التنموية، وهي جزء من مشروع الاستدامة الفكرية والحضارية التي تتَشارك فيها البشرية جمعاء؛ كما قال جون هولت: “ليس علينا أن نجعل البشرَ أذكياء؛ فهم يُخلَقون كذلك، وكلُّ ما علينا أن نفعلَه هو التوقُّفُ عن ممارسةِ ما يجعلُهم لا يفكرون”.
لذا فإنَّ على التربية أن تكون متجددة إلى أقصى درجة ممكنة في أهدافها، ومناهجها؛ حتى لا تنعزل عن مجريات الأحداث، وأن تحاول من خلال عناصرها ووسائطها المختلفة بناءَ الشخصية المبدعة التي لا تُتابع الجديد فحسب، بل تؤثِّر فيه وتجد لنفسها مكانًا في عالم الإبداع[1].
لذا تبرز مشكلة البحث في الإجابة عن الأسئلة التالية:
• ما المفاهيم المهيكِلة للإبداع؟ وما التربية الإبداعيَّة؟ وما النظريات المفسِّرة لها؟
• ما سمات المتعلمين المبدعين؟
• ما العوامل المحفِّزة على الإبداع؟
• وما المعيقات التي تَحول دون الإبداع؟
1- الإبداع والتربية الإبداعية.. في إشكالية المصطلح:
الإبداع مصدر أبدع، وأبدع الشيءَ: استخدمه وأخرجه على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: ﴿ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ [الأحقاف: 9].
إن مقاربة الإشكالية الإبداعيَّة يدفعنا دفعًا إلى تفكيك المفاهيم القريبة، ولعل من أبرزها: الابتكارَ والكشف، والاختراعَ والموهبة[2]… كما أنَّ مفهوم الإبداع يختلف تناولُه من باحث إلى آخر؛ من خلال زاوية بحثه، إن على مستوى تحديد صفات الشخصية المبدعة، أو حل المشكلات الطارئة، أو البيئة الاجتماعية المبدعة:
• الإبداع وركائزه الأساسية: الإبداع “امتلاك فكرة جديدة، وهناك أربعة معاييرَ للفكرة الجديدة يجب أن تكون شخصيَّة، أصيلة، وذات معنى، ونافعة”[3] • الإبداع وحل المشكلات الطارئة بطريقة علمية: الإبداع “القدرة على الخيال والتصور السريع لمختلف الحلول الأصلية، في مواجهة مشكلات”[4]، كما يعرِّف تورانس الإبداع بأنه: “عملية تشبه البحث العلمي، فهو الإحساس بالمشاكل، والثُّغرات في المعلومات، وتشكيل أفكار وفرضيَّات، ثم اختبار هذه الفرضيات وتعديلها حتى يتم الوصول إلى النتائج”[5].
• الإبداع والبيئة المبدعة: إذ يركز على أن “الإبداع ظاهرة اجتماعية ذات محتوى ثقافي وحضاري، وأن الفرد يصبح جديرًا بصفة المبدع إذا تجاوز تأثيره على المجتمع حدودَ المعايير العادية، وبهذا المعنى يمكن النظر للإبداع باعتباره شكلاً من أشكال القيادة التي يمارس فيها المبدع تأثيرًا شخصيًّا واضحًا في الآخرين”[6].
أما التربية الإبداعية: أو بيداغوجيا الإبداع (la Pédagogie de la creativité): فهي سيرورة أو عملية تعليمية – تعلُّمية، تضع المتعلم أمام وضعية – مشكلة، بحيث يُضطرُّ إلى استحضار موارده النظرية والمنهجية والمهارية ورؤيته الثاقبة لحلِّها، وعلى ضوء ذلك تظهر قدرة المتعلم على إنتاج أفكار جديدة، وخاصة النابعة من حسه الإبداعي[7].

لذا فإن على التربية أن تكون متجدِّدة إلى أقصى درجة ممكنة في أهدافها ومناهجها؛ حتى لا تنعزل عن المجرَيات والطفرات النوعية التي يعرفها العالم المتقلِّب معرفيًّا وعِلميًّا وقيميًّا.
2- إطلالة على بعض نظريات الإبداع:
مشكلة الإبداع ليست وليدةَ اليوم أو الأمس القريب؛ إنما تمتدُّ جذورها إلى بواكير الفلسفة وإرهاصاتها الأولى المتغلغلة في أعماق التاريخ، فيحدثنا تاريخ الفلسفة أن هوميروس وهيراقليطس وسقراط وأفلاطون وأرسطو كانوا أول من تحدث عن هذه المشكلة.
اختلفَت النظرياتُ إذًا في تفسير الإبداع وتحديد معناه وتبيان معالمه، لكن هذه النظريات على تباينها أوضحَت جوانبَ مهمة من جوانبه وأبعاده المتعددة، وسنحاول أن نَعرِض لبعضها في إيجاز[8]:
أ- نظرية الإلهام أو العبقرية:
وتفترض هذه النظرية أن الأعمال الإبداعية تظهر بشكل فطري في لحظات إيحاء، بغضِّ النظر عما أنجز سابقًا، وبمَعزِل عن التجارب والخبرات المتوفرة عند المبدع، وبناء على ذلك؛ فإن المبدع – حسب هذه النظرية – يستحضر الخيال الخصب، لكن يستلزم التنظيم والتوجيه والقدرة على الحكم.
ب- نظرية التحليل النفسي (السيكولوجية):
وهذه النظرية تزعَّمها “سيجموند فرويد”؛ تهتم بدراسة الدوافع النفسية؛ أي: العوامل الداخليَّة (وليس الخارجية) التي تدفع بالمبدعين إلى إنجاز أعمالهم الإبداعية، وترتكز على أن الصراعات الداخلية للفرد والتي ظلَّت مكبوتة تولِّد عنده الإبداع في مرحلة معيَّنة، وكأنه تفجيرٌ للمشاعر والأحاسيس والغرائز، وكأنه يحاول إشباع غرائزه بجرِّ هذا الإبداع.
جـ – النظرية العقلية:
تذهب هذه النظرية إلى أنَّ الإبداع نتاج العقل ووليد الفكر، وأن أي عمل مبدعٍ كائنًا ما كان لا يمكن أن يرى النور إلا إذا مسَّته عصا العقل البشري، وإلا خضع لتأمل ورويَّة، وإرادة وإصرار.
ورأى “جيلفورد” – وهو من أبرز أصحاب هذه النظرية – أن الإبداع هو تنظيم يتكون من عدد من القدرات العقلية، منها الطلاقة والمرونة والأصالة والحساسية تجاه المشكلات[9].
د- نظرية القياس النفسي:
وتعتبر هذه النظرية امتدادًا لحركة القياس النفسي، والتي بدأت مع العالم الفرنسي (ألفرد بينيه) (binet) في تطوير أول اختبار لقياس الذكاء، وترتكز على قياس الذكاء وعلى وجود علاقة بين السلوك والذكاء والإبداع، وعلى أن الإبداع – شأنه شأن الذكاء – يجب أن يخضع للبحث التجريبيِّ والقياس، وهو موجود لدى كل الأفراد وبنسَبٍ متفاوتة، وبالتالي فإنه يمكن قياسه وتحديده.
هـ- النظرية الاجتماعية:
تؤكد هذه النظرية على دور المناخ والوسط الاجتماعي في عملية الإبداع وفي النتاج الإبداعي، وتأثير العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للإبداع، وكذلك تأثير العوامل التربوية.
لقد أشار (جيرارد) إلى ذلك بقوله: “إن تصوراتنا المبدعة بكاملها ليست نتاجًا لدماغ معزول، بل لدماغ كان مرتبطًا بالتفاعل مع الناس الآخرين وبتاريخ الحضارة بكاملها”، نفس الشيء صرح به (بياجي) بقوله: “إن المجتمع وَحدةٌ عالية، أما الفرد فإنه لا يصل إلى ابتكاراته وأعماله العقلية إلا بمقدارِ ما يحتلُّ مكانًا في تفاعل الجماعات، وبالتالي في إطار المجتمع ككل، إن كبار الناس الذين خطوا اتجاهات جديدة، لم تكن (اتجاهاتهم) إلا نتاجَ تفاعل وتركيبٍ لأفكار أُعدَّت في إطار تعاوني مستمر”[10].
و- نظرية حل المشكلة بطريقة إبداعية:
وتَفترض هذه النظرية أن العملية الإبداعية هي عملية إيجاد حل إبداعي لمشكلة غير عادية، وقد اعتُمِد هذا الأسلوبُ في إجراء دراسة مكثَّفة حول طبيعة العملية الإبداعية وتعليم الإبداع، وهذا انعكس بصورة إيجابيَّة على تطوير برامجَ تربوية بهدف تقوية الإبداع لدى المتعلمين، وكان يعتقد أن تفعيل القدرة على التخيل هي المفتاحَ لعملية الحل الإبداعي لأي مشكلة.
ومن الجدير ذِكرُه أن المشكلة التي نتحدث عنها هي الأسلوب المتَّبَع لحل يَكمُن بتراتب هذه الخطوات:
• عرض المشكلة.
• عرض الحقائق والأفكار.
• إيجاد الحل.
• قَبول الحل.
3- سمات المتعلمين المبدعين:
توصَّل أحد الباحثين[11] إلى أن من سمات وصِفات المتعلم المبدع ما يلي:
أ- العقل المتسائل الخلاق: وهي صفة تولَد مع الإنسان وتعزِّزها التربية والتدريب المبكِّر، فهي صفة محيِّرة؛ لأنها تتحدى فضول الأسرة، حيث ينتمي شخصان إلى نفس الأسرة موحَّدة وسهلة، بل يبحث في الأعماق لإيجاد البدائل.
ب- القدرة على التحليل: وهي القدرة على الحصول على المعلومات وتحليلها أو تجميعها، ثم تقويمها والاحتفاظ بها بشكل منظَّم؛ من أجل استخدامها في مواضعها الصحيحة.
جـ- النشاط المتميز: وذلك بكثرة السؤال عمَّا يدور حوله وامتلاك درجة عالية من الذكاء، وإدراك الأشياء بطريقةٍ تختلف عن إدراك الآخرين.
إن الإبداع قوة دافقة وطاقة خلاقة، وقدرة على التجديد والتغيير؛ كل ذلك إن لم يُبنَ على أصول، تَضْمَنُ سلامتَه وصلاحه واستمراريته ونماءه – انحرف إلى وجهة غير صحيحة، وكانت له آثاره السلبية على الفرد والمجتمع[12]؛ إذ نجد “إبداعًا” في الشَّغْب والانحراف الأخلاقي، وهذا يهدم أكثر مما يبني؛ لهذا علينا كمربِّين أن نشجع على الإبداع التربوي الهادف، الذي ينمي ويساهم في الارتقاء بالمنظومة التربوية.
4- العوامل المحفِّزة على الإبداع: وههنا أقف عند بعضها:
• دعم روح المغامرة والابتكار لدى المتعلمين.
• اتباع طريقة الاكتشاف وبيداغوجيا حل المشكلات للانفتاح على الاهتمامات الخاصة واليومية للمتعلمين.
• تشجيع ما يسمى بدينامية الجماعات والعمل التعاوني لاكتشاف المواهب والطاقات المتعلمة – المبدعة.
• تكثيف التكوينات المستمرَّة للمدرسين؛ من أجل تطوير إستراتيجياتهم في التدريس وتنمية الحسِّ التواصلي والعلاقات الإنسانية.
• احترام الآراء ووجهات النظر المختلفة باتباع طريقة “العصف الذهني” للخروج بتوجهات علمية دقيقة.
5- المعيقات التي تحول دون الإبداع: وإلى جانب العوامل المحفِّزة تقف مجموعةٌ من المثبِّطات أمام تنمية الإبداع لدى المتعلمين، ولعل من أبرزها:
• البرنامج الدراسيَّ الحامل للموارد المعرفية المكثفة التي لا تشجع الإبداع.
• ضغط الحيز والزمن البيداغوجي ومدى ارتباطها بالامتحانات الإشهادية، مما يدفع المدرسين إلى اعتماد الطريقة الكلاسيكية في التدريس، المبنيَّة على التلقين وإملاء الملخصات.
• طريقة الاختبارات والتقويم الكلاسيكي: الذي يتميز بمطالبة المتعلمين باستظهارها واسترجاع المعارف دون الارتقاء إلى المستويات العليا من التفكير.
• الضغط النفسي والإخفاقات المتكررة التي لا تُتْبع بالدعم والمواكبة التربوية (Accompagnement pédagogique)؛ لمعالجة الاختلالات والتعثُّرات والنقائص التي يعاني منها المتعلم.
على سبيل الختم: فالإبداع والابتكار من الضرورات والعناصر الملحَّة والآنية، التي يتحتَّم توفيرها في المدرسة الحديثة؛ وذلك نتيجة لتزايد الطموحات، وتعدد الحاجات وتنوعها؛ إذ تشكل العولمة بمختلف تجلِّياتها وما تمليه من تحديات في شتى نواحي الحياة ومجالاتها – أحد أبرز النقاط الجوهرية التي تستدعي الأخذ بالإبداع التربوي في العملية التعليمية التعلمية؛ لإيجاد مدرسة العصر بكل مقوماتها النهضوية.
________________________________________
[1] حجاج عبدالفتاح أحمد، 1995، رؤى مستقبلية لإعداد المعلم العربي في ضوء تحديات القرن الحادي والعشرين، جامعة الإمارات العربية المتحدة، كلية التربية (24 و27 ديسمبر).
[2] – الاختراع: يعني إنتاج مركب من الأفكار أو إدماج جديد لوسائل من أجل غاية معينة. – الابتكار: التطبيق العملي الناجح للأفكار المبدعة في عملية الإنتاج. – الاكتشاف: يعني اكتسابًا لمعرفة جديدة انطلاقًا من أشياء كان لها وجود من قبل، سواء أكان هذا الوجود ماديًّا (مثلاً الاكتشافات الجغرافية) أم نتيجةَ ترتيب لمعلومات سبَق وجودها (إنتاج دراسة علمية). – الموهبة: قدرة فطرية أو استعداد موروثٌ في مجال أو أكثر من المجالات العقلية، والإبداعية، والفنية والرياضيَّة… تحتاج إلى الكشف والرعاية؛ لتبلغ أقصى حد ممكن.
[3] جون هارتلي، (أبريل 2007،) الصناعات الإبداعية: كيف تنتج الثقافة في عالم التكنولوجيا والعولمة؟ ترجمة بدر السيد سليمان الرفاعي، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب) – الكويت العدد 338، أبريل 2007، ص 158.
[4] – RAYNAL F. et RIEUNIER A., 2005, Pédagogie: Dictionnaire des concepts clés, 5ème édition, Paris, éd ESF éditeur.
[5] ناديا هايل السرور، 2003، مدخل إلى تربية المتميزين والموهوبين، ط4، دار الفكر، عمان، ص 224.
[6] صالح محمد أبو جادو، 2004، تطبيقات عملية في تنمية التفكير الإبداعي، دار الشروق، عمان، ص 27.
[7] Suzanne Filteau (printemps 2012) , la créativité sous toutes ses coutures) , revue Pédagogie collégiale , VOL. 25 NO 3,p26, avec modifécation.
[8] حسن إبراهيم عبدالعال (2005)، التربية وصناعة الإبداع، دار الصحابة للتراث بطنطا، ط 1، مصر، ص90.
[9] ألكسندرو روشكا (ديسمبر 1989)، الإبداع العام والخاص، ترجمة غسان عبدالحي أبو فخر، سلسلة عالم المعرفة (المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب) – الكويت، العدد 144، ص 13 – 14.
[10] ألكسندرو روشكا (ديسمبر 1989)،مرجع سابق، ص 94، بتصرف يسير.
[11] مضاوي علي محمد السبيل (2013)، الإبداع في الإدارة المدرسية والإشراف التربوي، فهرسة الملك فهد الوطنية، عنيزة، ط1، ص 45 – 46.
[12] محمد علي محمود (2002)، تنمية مهارات التفكير من خلال المناهج التعليمية (رؤية مستقبلية، جدة، دار المجتمع للنشر والتوزيع، ط1، ص96.

تعليقك على الموضوع