السبت , نوفمبر 25 2017
الرئيسية / دين ودنيا / رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن النظام القضائى من منظور الإسلام | الشارع نيوز

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن النظام القضائى من منظور الإسلام | الشارع نيوز

بقلم \ الكاتب والمفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد اللطيف
المدير التنفيذي لجامعة بيرشام الدولية بإسبانيا، والمدير التنفيذي للأكاديمية الملكية للأمم المتحدة
يتَّسِم النظام القضائي في الإسلام – كسائر الأنظمة الإسلامية – بصفة الربانيَّة، فهو مظهر من مظاهر الحضارة الإسلامية في إحقاق الحق وإقامة العدل في المجتمع، وهو يستمدُّ أسسَه ومبادئه من الوحي الإلهي: القرآن الكريم، والسنة المطهرة.
فمن المبادئ العامَّة التي أمر بها الله سبحانه وتعالى: إقامة العدل بين الناس؛ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [النساء: 58].
ولا ينبغي أن تكون القراباتُ والأنسابُ سببًا للجَوْر والظلم، أو الانحراف عن أحكام الشرع الحنيف؛ يقول الله جل جلاله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ [النساء: 135].
كما لا يُجيز الإسلامُ أن يتَّخذ المسلمُ العداوةَ أو البغضاءَ ذريعةً لظلم الناس، بل يجب التزام العدل المطلق في الأحكام، ولا يصحُّ إخضاع أحكام الشرع للعواطف أو النزوات أو الهوى؛ يقول العزيز الحكيم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المائدة: 8].
ولخطورة منصب القضاء وعِظَم مسؤولية القاضي، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((مَن جُعِل قاضيًا بين الناس، فقد ذُبِح بغير سكين))؛ رواه أبو داود والترمذي.
فلا ينبغي أن يتولَّى هذا المنصب إلا الكفءُ الذي يَصمُد أمام الضغوط الخارجية والنوازع النفسية، والهوى الذي يَعصِف بالقيم والآداب، المتمكن من العلوم الشرعية التي تؤهِّله للوصول إلى الحق والنطق به والالتزام بما يُقرره: ((القضاةُ ثلاثة: واحدٌ في الجنة واثنان في النار، فأمَّا الذي في الجنة، فرجلٌ عرَفَ الحق وقضى به، ورجل عرَف فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار))؛ رواه أبو داود.
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله مع القاضي ما لم يَجُرْ، فإذا جار تخلَّى عنه، ولزِمَه الشيطان))؛ رواه الترمذي.
وفيما يلي بعضُ الأصولِ والآداب التي ينبغي أن يُلِمَّ بها القاضي:
الأصل الأول: التسوية بين المتخاصمين:
ينبغي أن يسوِّي القاضي بين الخصمين في:
• الإذن بالدخول عليه.
• والإقبال بوجهه عليهما، ولا يقوم لواحد منهما.
• ومخاطبتهما فلا يُكنِّي أحدهما وينادي الآخر باسمه المجرد.
الأصل الثاني: البيِّنَةُ على المدَّعي واليمينُ على النار على مَن أنكر.
• يبدأ القاضي بسماع الدعوى من المدَّعِي، ثم يطلب منه الوثائق على دعواه – سواء كانت كتابية أم شهودًا – ثم يَسمَع من المدَّعَى عليه، ويطلب وجهةَ نظره في ادعاءات خصمه، ولا يجوز أن يُصدرَ الحكم قبل سماع من الطرفين؛ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ولو يُعطَى الناس بدعواهم، لادَّعَى ناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالهم، ولكن اليمين على المدَّعى عليه))؛ رواه البخاري ومسلم، وفي رواية عن الترمذي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: ((البيِّنة على المدَّعي، واليمين على المدَّعى عليه)).
الأصل الثالث: حكم القاضي لا يُحِل حرامًا ولا يُحرِّم حلالًا:
إن القاضي يحكم حسب الدلائل والبينات التي بين يديه، ولا يستطيع أن يَستشفَّ أستار الغيب ليرى الحقيقة، والخصوم يدركون حقيقة الأمر، فإن قضى لأحدهما وهو يعلم أنه لا يستحق ما قضاه القاضي له، فلا يجوز له أن يأخذه، وهذا ما يشير إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلًا: ((إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضَكم أن يكون أَلْحَنَ بحُجته من بعضٍ، فأقضي على نحوِ مما أسمَع، فمَن قضيتُ له من حقِّ أخيه شيئًا، فلا يأخذه؛ فإنما أقطَع له قطعةً من النار))؛ متفق عليه.
الأصل الرابع: لا يقضي القاضي وهو غضبان:
• ويَلحَقُ بالغضب كلُّ ما يُورِث اضطرابًا في النفس، وسوءًا في الخلق، وخللًا في الفكر؛ مثل: الجوع والعطش، والخوف، والفرح المفرط، وعند المرض، ومدافعة الأخبثين – البول والغائط – وعند النعاس، وشدة الحر والبرد… وغيرها.
والأصل في كل ذلك ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان))؛ رواه الشيخان.
الأصل الخامس: لا يَقبل القاضي هدية ممن له خصومة:
وهذا من قبيل سد الذرائع، والأصل في ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أبي حميد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل عاملًا، فجاءه العامل حين فرَغ من عمله، فقال: يا رسول الله، “هذا لكم وهذا أُهدي لي”، فقال له: ((أفلا قعَدتَ في بيت أبيك وأمِّك، فنظرتَ أيُهدى لك أم لا؟!))، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عشيَّةً بعدَ الصلاة، فتشهَّدَ وأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: ((أما بعد، فما بالُ العاملِ نَستعمله، فيأتينا فيقول: هذا من عملكم، وهذا أُهْدِيَ لي، أفلا قعَد في بيت أبيه وأمه فنظَر: هل يُهدى له أم لا؟! فوالذي نفس محمدٍ بيده، لا يَغُلُّ أحدُكم منها شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يَحمِلُه على عُنقه، إن كان بعيرًا جاء به له رُغاء، وإن كانت بقرة جاء بها لها خُوار، وإن كانت شاةً جاء بها تَيْعَر[1]، قد بلَّغتُ))؛ وفي رواية عند الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((هدايا العُمَّال غُلول)).
الأصل السادس: لا يقضي القاضي لنفسه ولا لشريكه ولا لأصله ولا لفرعه:
ذلك لوجود التهمة في حكمه، وخوف الميل لمصلحته، ولا يَنفُذ حكمه في كل ذلك، أما إذا حكم على المذكورين سابقًا، فإنه يجوز حكمه ويَنفُذ لعدم التُّهمة في ذلك.
الأصل السابع: رجوع القاضي عن اجتهاده الأول جائز ويعمل بالثاني:
• إذا رجع القاضي عن اجتهاده الأول؛ لأنه بناه على أمر مخالف للكتاب أو السنة، أو الإجماع أو قياسٍ جَلِيٍّ، يُنقَض ما بناه على الاجتهاد، ويُرَدُّ ما قضى به، وأعاده إلى ما يوافق الكتاب والسنة أو الإجماع والقياس.
أما إذا كان حكمه الأول إنما بناه على اجتهاد أو على مقتضى قياس خفي، ثم تغيَّر اجتهاده، فإنه لا ينتقض حكمه الأول، ويقضي في المستقبل باجتهاد الجديدة.
ومن القواعد الفقهية: (لا ينقض الاجتهاد بمثله)، وقد اختلف اجتهادُ عمر في المسألة المشتركة، فعندما قيل في ذلك (قال: ذلك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي).
شروط القاضي:
• الإسلام: فلا يتولَّى الكافر القضاء؛ لأنه من باب الولاية: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ﴾ [النساء: 141].
• التكليف: البلوغ والعقل، فلا يُولَّى القضاءَ صغيرٌ أو مجنون.
• الذكورة: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لن يُفلَحَ قومٌ وَلَّوْا أمرَهم امرأةً))؛ رواه البخاري.
ذلك أن القضاء يتطلب الحزم، والاجتماع بالرجال، وفي توليها انصرافٌ لها عن مهمتها الأصلية.
• العدالة: لأن الفاسق لا يُوثق بقوله، ولا يُؤمن الجَوْر في الحكم، وتعني العدالة تجنُّبَ الكبائر من الذنوب، وهي التي ورد فيها وعيد شديد في كتاب الله وسنة رسوله، ولا يكون مصرًّا على الصغائر.
• سليم العقيدة محافظًا على المُروءة؛ لأن المبتدعَ غير مأمون في أحكامه، ومَن لا مُروءة له لا حياءَ له، ومَن لا حياءَ له يقول ما يشاء.
• يكون مأمونًا: غير متهم من أن يتخذ منصبه لجرِّ منفعة، أو دَفع مَضرَّة لنفسه من غير وجه شرعي.
• سليم الحواس: كالسمع، والبصر، والنطق.
• الكفاية للقيام بأمور القضاء: وذلك بالعلم بأحكامها، والقدرة على تحصيل مصالحها، وترك مفاسدها.
أحداث ووقائع قضائية في التاريخ الإسلامي:
1- حادثة سرقة بني أبيرق واتهامهم أحد اليهود به (لبيد بن سهل)، وشهِد معهم بنو عمومتهم معهم، وهمَّ الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقطع يدَ اليهودي حسب البيِّنَة المتوافرة، فنزل قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا * هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا * وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ [النساء: 105- 113].
2- قضاء شريح بالدرع لليهودي الذي كانت الدرع بيده، وكان خصمه في الدعوى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولم تكن له بيِّنة.
3- حادثة بيع سلطان العلماء “العز بن عبدالسلام” المماليكَ حكامَ مصر، وإدخال أثمانهم في بيت مال المسلمين.
________________________________________
[1] من اليعار، وهو صوت الشاة.

تعليقك على الموضوع