الرئيسية / مقالات / رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن المقدرة على التراجع | الشارع نيوز

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن المقدرة على التراجع | الشارع نيوز

بقلم \ الكاتب والمفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد اللطيف
المدير التنفيذي لجامعة بيرشام الدولية بإسبانيا، والمدير التنفيذي للأكاديمية الملكية للأمم المتحدة
هنالك فارقٌ بين التغيير والتراجع مع وجود علاقة وثيقة بهما . فالثانى أحد مُكوِّنات الأول، وأنت تتراجع غالبًا عما ثبَت أنه خطأٌ، ونادرًا عما كان صوابًا أو حسنًا إلى الأحسن منه؛ انطلاقًا مِن ذاتك وبالتجاوب مع مناراتٍ؛ كالنصح، أو التعلم، أو الوازع الاجتماعي، بينما التغييرُ يتَّسِع نطاقه، وهو أشمل بالكيفية والمضامين، وغالبًا ما يقوم به الفرد أو المجموعة بالتشاور، وإن المقدرةَ على التراجع في الوقت المناسب هي مِن ضوابط التغيير؛ ليكون إيجابيًّا مصلحًا مع ضابط وجود هدف، وضابط وجود علم صحيح مُصيب[2]، وتلك الضوابط تُلِحُّ بانتشارِ التغييرات العشوائية، وبناءً على قانونِ أن (التغييرَ يجب أن يبتغي الخيرية والغيرية)، فإن هذين هما مناطا التراجع، وسأتناول الموضوع بعون اللهِ – وهو بحث أحاول أن أُوجزه في مقال – على محاورَ مُغطَّاة بالأمثلة؛ هي:
1- محور ضرورة التراجع.
2- محور كيف نمتلك المقدرة على التراجع؟
3- محور التطبيق: متى وكيف نتراجع؟

1- هل التراجع ضرورة:
هو ضرورةٌ مُطلَقة أو نسبية حسب الموقف، باعتبار أن الإنسان مجبولٌ على الخطأ والنسيان، وأن الضرورة ما يلحَقُ العبدَ ضررٌ بتركها، وأهم ضروراتِه العامة ودلائلها عبر حالات تستدعيه – (وللقارئ استنباط المزيد) -:
أ- ضرورته لإحقاق الحق وإبطال التغيير المفسِد، وأسوأه تغيير ما فَطَرنا تعالى عليه على أوجهٍ أعمُّها وأعمقها ضرورةً:
ضرورة التراجع عما يحوِّل النعمةَ إلى نِقمة على مستوى الفرد والجماعة، وخاصةً تغيير دين الله تعالى الذي ارتضاه وشِرْعَتِه التي أنعم بها على البشرِ، وهو خالقهم العليم بما يُصلحهم ويُسعِدهم، ومحاربته بأن يُعصَى سبحانه، وأن يحارب رُسله وعباده وكُتُبه، فالمقدرة على التراجع هنا شديدةُ الأهمية عن أصل التغيير السلبي، وليس ذيوله، والذي غالبًا ما يتسَرْطَن إن تُرك حين يفشو الظلم، وينزع الحياء، ويفتت نظام الأسرة، وتؤكل أموال الناس بالباطل؛ وصولًا لتقتيل الأبرياء، وانتهاءً بتدمير حضارةٍ بأكملها؛ قال تعالى في قوم فرعون: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: 52 – 54].

وعندما يُغضِب قومٌ اللهَ تعالى يرفَع نِعَمه عنهم الماديةَ والمعنوية، النفسية والروحية، فكأنَّهم بعدم تراجُعِهم عن التغيير المُدمِّر لشِرْعَة الرحمن، أصدروا الحكمَ على أنفسهم، ووقَّعوه بأيدِيهم، مُتجاهِلين أنه سبحانه “سميع عليم” بكذبهم وإرجافهم المُغيِّر للحق كفرًا، وأنه تعالى “القوي شديد العقاب”! وأدنى درجات ذلك أن يُذيقهم تعالى: ﴿لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112]، وهاهم يتلبَّسُهم صنيعُهم الجاحد للحق، فهو ملازم مُلابِس كأنفاسهم، كنبضات قلوبهم، فلا يتراجعون!

ضرورة التراجع عن كتمان الحق: ووجه الضرورة أن كتمانَ الحق كالتسمُّم البطيء؛ إذ يتجاوز التغيير المسيء الظاهر إلى تغيير خِلْسي للمبادئ يُفضِي لاقتلاع الأسس، عمليةٌ أقدمُ مَن استنَّها بنو إسرائيل، وفيهم وفي أمثالهم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 174][3]، آيةٌ تنخلع لها الأفئدة، وتَصْدَع بحتمية التراجع عن ليِّ أعناق النصوص المُنزَّلة، وعن الخداع الفكري عمومًا، والإخفاء المأجور للحقائق خصوصًا، (وهما سِمَةُ الإعلام المعاصر)، والتراجع في هذه الحالة وإظهار الحق ونشره، كان وسيبقى الخلاصَ والمُنقِذَ لأممٍ وحواضرَ، وهو شرفٌ وكرامة للذين يتراجعون، ولنا فيمن خلَوْا عبرةٌ، أما الذي أصرَّ على كتم الحقِّ وحرَّف بخبثٍ، فهو وإن لم يقل للمغرَّر بهم: اكفُروا، فإنه لبَّس عليهم فكفَروا! قال تعالى في آل عمران: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 71]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: 78]، وإن سعي المتلقِّين في التبيُّن وشجاعتهم في التراجع، لا يقلُّ أهميةً عن تراجع المُلبِّسين!
وهكذا فتلك الضرورةُ هي ضرورة منع الشقاء أو الهلاك بعامَّة في الدنيا، والعذاب في الآخرة.

ضرورةُ التراجع للإصلاح (تغيير التغيير): ومع الحاجة له اليوم فقلَّما نرى مَن يتراجع عن موقفٍ ظهر عدم صلاحه نسبيًّا أو مرحليًّا، بينما قدَّم لنا الحبيبُ صلى الله عليه وسلم وصحبُه القدوةَ العملية بالتراجع في عدة مواقفَ كانت حسنةً ابتداءً:
من أشهرها صلحُ الحُدَيبية؛ حيث تراجع صلى الله عليه وسلم عن أداء العمرةِ في ذلك العام.

ومنها تراجع الصِّدِّيق رضي الله عنه عن تغييرِ موقفِه مِن قريبه مِسْطَح بنِ أُثَاثَة، حين حلف ألا يُنفِق عليه لخوضِه مع الخائضين في قصة الإفك المعروفة، ورَمْيه عائشة رضي الله عنها إفكًا وظلمًا، وأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 22]، ﴿يأْتَلِ﴾؛ أي: يحلف أن يمتنع، فلما نزلت الآية قال أبو بكر رضي الله عنه: “بلى والله، إني لأُحبُّ أن يغفر الله لي”، وتراجع عن يمينه وأعاد له النفقة، وقال: “والله، لا أنزعها منه أبدًا”، فانظر تدبُّرَ الصدِّيق وتطبيقه الآية مِن فَوْره على نفسه وبركة هذا التراجُع عليه وعلى كل مسلم يقتدي به خاصةً اليوم؛ إذ تَكثُر الأخطاء الانفعالية والعشوائية، حتى قيل – (وينسب لعبدالله بن المبارك) -: “هذه أَرْجَى آيةٍ في كتاب الله”!
واليوم لا يوجد وحيٌ ينزل، ولكننا نتعلم من هذه المواقف الكثيرَ، كما تعلَّموا هم بعد انقطاعِه.

ومِن ذلك كتابُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه: “ولا يمنعك مِن قضاءٍ قضيتَ به اليوم، فراجعتَ فيه نفسَك وهُدِيت فيه لرُشدِك، أن تُراجِع فيه الحقَّ – أي ترجع إلى الحق – فإن الحق قديمٌ ولا يُبطِل الحقَّ شيءٌ”.

فهي أمثلة لحالات تُحتِّم التراجع، سواء في شأنٍ خاصٍّ أو عام، ومنها استلهم صالحو الأمة، فكان أحدهم مهما علا قدرُه يرجع للحق ولو جاءه من طالب علم.

ضرورتُه للمحافظة على فكرِ علماء وحكماء الأمة والانتفاع به: ووجهُ الضرورة أن وجود مواقف وأفكار خاطئة لم يتراجع عنها أصحابُها المشهود لهم بالعلم والسداد، مع تنبيههم عليها، تدعو أكثر الناس للإعراض عنهم، وما يترتب عليه من خسارة علمية وحضارية لما تركوه أو لما يحملونه من علم في صدورهم، في حين أن التراجع يُغْنِيهم ويُغْنِي بهم.

نقل ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم قولَ الصحابي معاذ بن جبل رضي الله عنه: “اجتنِبْ مِن كلام الحكيم المُشتهرات التي يُقال: ما هذه! ولا يَثْنِينَّك ذلك عنه؛ فإنه لعلَّه أن يُراجع، وتَلَقَّ الحقَّ إن سمِعْتَه”.

2- محور كيف نمتلك المقدرة على التراجع؟ ولماذا يحتاج التراجع إلى جهدٍ ومقدرة؟
قالت العرب: “الرجوع للحق فضيلة”، في حثٍّ للتراجع، وإشارة ضمنية لنفورنا منه، وكأن عندنا سِمَةً وراثية كارهة للتراجع أو مورثة ضده!

وقد أشرتُ للفرق بين التغيير والتراجع، ولعل أحسن تغيير نقوم به أن نُغيِّر تلك السمة فينا، والتراجعُ هو أولًا رجوعٌ “عن” وثانيًا رجوعٌ “إلى”، والمرحلة الأولى هي المِفتاح للثانية، ولعلها الأصعب، فسأُركِّز عليها وأُمهِّد ببعض السُّبُل العامة لها:
أ- امتلاك التوازن في إقدامنا وتراجعنا؛ كما في تغييرنا وثباتنا، ويقوم ذلك على يقينك بمبادئ علمية تربوية؛ أهمها:
أنك إنسان تخطئ وتصيب؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((كل بني آدم خطَّاء))، وإنْ لم يُقِرَّ أكثرنا بذلك لقصورنا!

أن الرجوع للحقِّ يُثمِر طيِّبًا في الدنيا، وأنت مُثابٌ عليه بإذن الله في الآخرة، فمثلًا بالنسبة للضرورة الثانية، انظر قولَه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 159، 160].

أن إحجامَك عن التراجع هو ضَعفٌ وليس شجاعةً؛ ضعف أمام غَلَبة الأنا والعُجْب، وأمام نزغ الشيطان (أن تصغر في عين الناس مثلًا)، ومُبرِّر لتهرُّب مُقنع مِن مسؤولية إحقاق الحق، قد ينتهي بالتخلي عنها! والشجاعةُ أن تتفوَّق على خوفِك مِن المواجهة، وعلى مُعوقات التراجع، وبالمحصلة فقدرُ الرجَّاع للحقِّ يزيد عند الناس، وإن كان المهم قدرك عند ربِّ الناس وعند نفسك، وهذا ينقلنا للأسس والدعامات.

ب- أسس المقدرة على التراجع: بعد توازنِ خُطاك لتتمكَّن مِن التراجع بسلامة واستقامة، يلزمُك امتلاك أسسٍ؛ أهمها:
1- اعزِمْ أن تتراجَع وعينُك على هدف وجودك: عبادة الله وحدَه، وخشيته تعالى، وأداء الأمانة في ما يرضيه؛ إيمانًا وعملًا لحياة كريمة للجسم والروح في الدنيا، والعِتق مِن النار في الآخرة، فالتراجع مِن أهم مُكوِّنات تَوْءَمِ الإيمان والعمل الصالح.

2- الاعتصامُ بالجماعة وسواد المجتمع الصالح يَقِيك مِن التراجع المعكوس عن الحق للباطل! وإن الشرودَ عن الوسط للأطراف يُضعفُ كثيرًا المقدرةَ على التراجع عن الخطأ، واحذَرْ أن تتبع مَن يعبدون الله على حرفٍ، فإن انقلبوا في الهاوية انقلبت معهم! في الأرض متسعٌ فاعبُدْه بعيدًا عن الحرف؛ قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: 11].

وقد نهانا رسولُنا صلى الله عليه وسلم عن الرتعِ على الأطراف، فعن النُّعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمِعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الحلال بيِّن، وإن الحرام بيِّنٌ، وبينهما أمورٌ مشتبهات لا يعلمهنَّ كثير من الناس، فمن اتَّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرْضه، ومَن وقع في الشبهات وقع في الحرام؛ كالراعي يرعى حول الحِمَى يُوشِك أن يرتَعَ فيه، ألا وإنَّ لكل مَلِكٍ حِمًى، ألا وإنَّ حِمى اللهِ محارمه))؛ رواه البخاري ومسلم.

كما ضرب لنا صلى الله عليه وسلم مثلًا بمَن عزَم صادقًا على الرجوع للحق والتوبة بعد أن قتل (99) نفسًا، ونجح بالتراجع بفضل هذه النصيحة التي جاءته، بعد أن أتَمَّها مائةً!.

3- لا بد من معالجةِ حبِّ النفس والإعجاب بالرأي والأَثَرة، ناهيك عن داءِ الكِبْر، وقد يُقال: “ومَن منا لا يحب نفسه! وكيف أتراجع وقد حلفتُ على موقفي يمينًا؟”، الجواب: تراجع عن يمينك، واقتدِ بالحبيب صلى الله عليه وسلم، ولا تتَّكِئ عليه كِبرًا!

ج- مِن التنظير إلى العمل لامتلاك المقدرة، ويتم ذلك بتحديد خُطوات التراجع، وهي: المعرفة، الاعتراف، التنفيذ العملي:
الخطوة الأولى: المعرفة: تتمثَّل في أن هذا موقفٌ ينبغي التراجع عنه، وهنالك خطأ حصل أو قد يحصل، أو أن هنالك ما هو خير مِن موقفك لك وللآخرين، وربما لغيرك فقط! (الغيرية)؛ وهذا قد يكون جليًّا لك، وقد يحتاج منك إلى بعض البحث.

الخطوة الثانية: الاعترافُ ضمنًا أو علنًا بالخطأ، فتتراجع أمام نفسك على الأقل، إنما هنالك حالاتٌ يلزم فيها إعلانه.

الخطوة الثالثة: التدرُّب للتنفيذ العملي، وله أشكال، فقد يكون القيام بالاعتراف المذكور هو التنفيذَ للتراجع، ومِن أشكاله الاعتذار، وقد يتميز تمامًا؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: 24]؛ ففي الاستجابة العملية للهِ وللرسول صلى الله عليه وسلم، لا سيما مِن المؤمنين (وخطابُ الآية لهم) – تراجعٌ يُميِّز كلَّ موقفٍ في ظلِّ انتشار الأخطاء والمعاصي اليوم، وإن الذروة التي تُعرَف ببلوغِها أنك امتلكتَ ناصيةَ التراجع أن تنجح في الرجوع عن موقفٍ ليس خاطئًا بالمجمل، ولعله حسنٌ بالمجمل في نظرك ونظر كثيرين، وقد تَخفى الحكمةُ في الرجوع عنه لتظهر بعد حين! وتأتي مع المحور الثالثِ أمثلة امتلاك المقدرة والتنفيذ لمنع التكرار.

د- دعامات التراجع: قد تندمج الخطوات الثلاث، فلا يظهر عمليًّا إلا التنفيذ، إنما يبقى عوامل مشتركة تدعمها؛ منها: الاستغفار، وتقوى الله، واليقين بالحساب، والتحلِّي بمكارم الأخلاق عمومًا، والتي تلزم بقوةٍ لبعض المواقف؛ ومثلًا:
التقوى تُعِينُك على تبيُّن الحق كالشمس في رابعة النهار، فتلقائيًّا تتمم التراجع؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: 29]، وفي تفسيرها: “فرقانًا تُفرِّقون به بين الحق والباطل، وتعرفون به الحق وتنقادون إليه”؛ وبالتقوى يعرِفُ الإنسانُ مقدارَ علمه وأنه عُرضةٌ للخطأ، فيتراجع فيه عند اللزوم.

واليقين بالعقاب والثواب في الآخرة هو مِن أقوى دوافع التراجع، ويطرد الوهم أن تراجعَك “ضعف شخصية”.

3- محور التطبيق أو التنفيذ العملي (متى وكيف تراجع وترجع؟):بعد تلك الخطوطِ العامَّة للعلم بالضرورة وكيفية امتلاك المقدرة، يبقى المحكُّ هو التطبيق العملي، وإن مدرسةَ الحياة وتجارِبَها هي خيرُ مكانٍ للتدريب والتطبيق، ولكن – ككل أمر نتعلمه – لا غنى عن مدارس ودورات لتفعيل التراجع؛ أهمها:
مدرسة الرسل: مِن خلال أمثلة في رحابها نتعلم تنفيذ التراجع رغم الصعوبات الظرفية والذاتية:
مع موسى عليه السلام:
1- حين قال فرعون يَمُنُّ على موسى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء: 18، 19]، فقتلتَ رجلًا مِن قومنا! كان رد موسى عليه السلام: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: 20]، فهو عرَف واعترف! رغم أنه يخاطب عدوَّ الله وعدوَّه! اعترف بأنه فعلها خطأً قبل أن يُوحَى إليه ويُرسَل، وليس جحودًا لفضل فرعون عليه، وكان اعترافُه بعد معرفته الحق هو التراجعَ عن خطأ مرحلة انتهى منها، وهو بصدد فتح باب الدعوة إلى الله على بصيرة، ومنه نستنبط أن الاعتراف علنًا ولو للعدوِّ هو شجاعةٌ قد لا يَملِكها كلُّ البشر، ويكون أقدرَ عليها مَن أبصر قلبُه الحقَّ، وهي تَلزَم كلَّ مَن هو في موقع المسؤولية، وقد تلزم الإنسان العادي ضمن مسؤوليته عن ذاته وعمَّن حوله في الأسرة والعمل والمجتمع؛ إذ ((كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته))؛ كما في الصحيح، فهنا لا يستقيم التراجع ويكتمل بدون إعلانه، وإن التراجع لمسؤوليةٌ وأمانة!

2- الاعتذار القولي والعملي، وهو أحدُ أشكال تنفيذ التراجع[5]، ورغم أنه يبدو بسيطًا، فإن كُثُرًا لا يتقنونه، والقصة معروفة في سورة الكهف، حين تراجع موسى عليه السلام رغم عِظم وهولِ ما رآه عندما عاتَبَه الخَضِر، بأن أقرَّ وطلب الإعذار لنسيانه الوعد؛ قال: ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: 73]، ولعل سواه يُصِرُّ أنه لم يُخطِئ ويحتجُّ لرفضه التراجع، قائلًا: تريدني أن أسكت وأنا أراك تُخرب وتقتُل؟!

والقصة تُعلِّمنا أن التراجع هو أحدُ الأسس المهمة في أدبِ العالم والمتعلم، وأنه يمكن أن يتم تربويًّا على مراحلَ لاستيعاب العالم وصبره على المتعلم؛ إذ اقتصر أولًا على الاعتراف وطلب الإعذار والتيسير، وتلاه مع تكرُّر الخطأ خطوةٌ أوسع في التراجع عنه، هي الاعتذار والوعد بتحمُّل النتيجة عمليًّا إن أخلَّ بشرط المعلِّم، ثم التراجع القاطع بعد تكرار الخطأ وتكرار التراجع، وأخذ شكلًا عمليًّا بالافتراقِ والمتاركة؛ كتعبير عن انصياعه، وإن هذا والله أعلم مِن فضائل تحرِّي الرشد في التربية والتعليم؛ إذ كانت البداية قول موسى للخضر: ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: 73].

مع نبيِّنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتمُّ التسليم: ونتعلم في مدرسته تربية النفسِ على ثنائي الشجاعة والتواضع، وأخذها بعيدًا عن العجب والكبر، وفوق الضعف وخوف اللائمة، كما نتعلَّم منه صلى الله عليه وسلم إظهار علةِ التراجع ما استطعنا:
1- التراجع عن فكر أو عمل خير بعد العزم والشروع: فمِن رحمته تعالى أن أرسل المصطفى صلى الله عليه وسلم يُعلِّمنا إن كنا نُحبُّه ونقتدي به حقًّا كيف نُتقِن التراجع العملي في أشد الحالات دقةً وصعوبة، بأن يكون ما تتراجع عنه غير سيِّئ، بل أكثر من ذلك هو خير رجَوْتَه بإخلاص لنفسك ولمَن حولك، وهذا قد يبدو عجيبًا، لكنَّه تهذيبٌ للنفس، فلا نَعتد بصلاح عملِنا، ولا نُصِر إذا تبيَّنَّا خيرًا منه، قال صلى الله عليه وسلم: ((إني لا أحلف على يمينٍ أرى غيرَها خيرًا منها، إلا أتيتُ الذي هو خير))؛ صحيح مسلم.

فحتى لو أقسمتَ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يُعلِّمك أن تتراجع، والمناط درجةُ الخيرية؛ أي: أن تجد خيرًا مما أقسمتَ عليه، وهذا اختبارٌ للإخلاص لا تُنكِر صعوبته؛ كما ستبين الأمثلة (لا سيما بغلبة الغرور اليوم، وطلب رضا الناس).

2- التراجع عن عمل انقضَى ولو منذ زمن: ما نفعُ ذلك التراجع؟ إن نفعَه مستقبليٌ، خاصة إذا واجَهَك عينُ الموقف:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو استقبلتُ مِن أمري ما استدبرتُ، ما سُقْتُ الهَدْي، ولحلَلْتُ مع الناس حين حلُّوا))؛ صحيح البخاري، كتاب التمني.
واستقبلت الشيء: واجهته، فهو مستقبَل بالفتح (اسم مفعول).
ولو استقبلت مِن أمري ما استدبرت؛ أي: لو ظهر لي أولًا ما ظهر لي آخرًا.

وفي شرح سنن أبي داود: “والمعنى: لو ظهر لي هذا الرأي الذي رأيتُه الآن، لأمرتُكم به في أول أمري وابتداءِ خروجي”، ويُبيِّن الحبيبُ علةَ هذا التراجع ونفعه في التوسعة والتخفيف على صحابته وعلى المسلمين حتى قيام الساعة.

3- التراجع عن الهمِّ بالعمل: ويتمُّ بالامتناع عما هَمَمْنا به، لكن الشجاعةَ أن نُبيِّنه للآخرين، سواء للإفادة والخبرة، أو للتربية والقدوة، رغم أنه لم يتجاوز خاطرَنا للسانٍ أو قلمٍ، ناهيك عن العمل، كما علَّمنا الحبيبُ صلى الله عليه وسلم؛ ففي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((لقد هَمَمْتُ أن أنهَى عن الغِيلَة، حتى ذكرتُ أن الروم وفارس يصنعون ذلك، فلا يضرُّ أولادهم))، والغِيلةُ، قيل هي: وطء الزوجة المُرضِع، وقيل: هي إرضاعُ الحامل لطفلِها، وقد بيَّن لنا صلى الله عليه وسلم علَّة التراجع عن “الهمِّ”، والأعجبُ أن تراجعه وهو المُرسَل رحمةً للعالمين، بُني هنا على خبرات غير المسلمين! وعلى الهامش، فقد ثبت علميًّا اليوم أن المُرضِع إن حملت تتابع إرضاع طفلها بأمانٍ بوجود غذاء متوازن حتى بلوغ حملها الشهرَ السابع، ودون ضرر عليها ولا على أي من الرضيع والجنين؛ كما كان يظن تقليديًّا!

مدرسة الصحابة والتابعين والصالحين: قد يقال: لسنا أنبياء, وهذا حقٌّ، لكننا نتبع هَدْيَهم وننتفع، وقد مر بنا تراجُعُ الصدِّيق في حادثة الإفك، وهذا عمر ليس بنبيٍّ، وله نفسٌ أبيَّة، وإمكانيات يستحيل أن يكون عليها أحدُنا، ولا يحب نفسه، ويعتدُّ برأيه! وهل أكثر مِن نزول الوحي موافقًا له في أكثر من أمر! ولكن انظر كيف ربَّى الإسلام فيه المقدرةَ على التراجع، فطبَّقه بقوة إيمان؛ إذ كان له في الحديبيةِ موقفٌ رأى فيه أن توقيع الصلح تنازلٌ لا ينبغي[8]، ليس إلا لأنه مسلمٌ مُعتَدٌّ بالإسلام، ورغم البِشارات التي حفَلت بها سورةُ الفتح لمن حضر الحديبية من الصحابة، أهل بيعة الرضوان رضي الله عنهم وأرضاهم، فإن عمر يقول عن موقفه ذاك: (وما زلتُ أتصدَّق وأصوم وأصلي، وأُعتِق؛ مِن الذي صنعت يومئذٍ، مخافةَ كلامي الذي تكلَّمت به حين رجوت أن يكون خيرًا))، فأي تطبيق عملي راقٍ للتراجع.

وقال الشوكاني عن التاج السبكي: “إنه كان في غاية الإنصاف، والرجوع إلى الحق في المباحث، ولو على لسان أحد الطلبة”.

مدرسة عموم الناس:
مثال من المجتمع المسلم: التراجع عن عمل السوء بجهالة وعن الزلل: وهو أمرٌ وارد بالنسبة لأي إنسان، لذلك خصَّص دينُنا مساحةً طيِّبة لمن قد يقع في مثل ذلك؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: 54].

المهم أن يَملِكَ المرءُ المقدرةَ على التراجع، وانظر رحابةَ رحمتِه تعالى ومغفرته؛ إذ أمر رسولَه صلى الله عليه وسلم أن يُبلِّغنا بها بعد السلام علينا، وليس أنه تعالى يرحمنا وحسب، ويغفر لمن تاب وأصلح، بل إنه كتب على نفسِه الرحمة لمن تراجع وأناب، وألزَم نفسه بها سبحانه؛ وفعلُ السوء بجهالة يشملُ أشياء كثيرةً في حياتنا، تَفاقُمُها يُبَلِّغُها درجةَ التظالم وظلم النفس، والتراجع عودةٌ عن الظلم إلى الرحمة والتراحم، فلا نكون أقماعًا ولا مُصرِّين.

عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ارحموا تُرحَموا، واغفِروا يَغفِرِ الله لكم، ويلٌ لأقماع القول، ويل للمُصرِّين الذين يُصِرُّون على ما فعلوا وهم يعلمون))؛ أخرجه أحمد في مسنده.

وأقماع القول الذين ينقلون ما يسمعون دون فَهمٍ وإدراك، والمصرون هم الذين يصرون على المعاصي رغم علمهم بإثمِها لا يتراجعون، وقد نُبِّهوا وذُكِّروا.
وفي هذه المدرسة نتعلم أن مناط التراجع ليس الكثرةَ، وإنما من الأصلح والأقوم، وكيف الاعتدال في القول والعمل!
ورحِم الله الفضيل بن عياض؛ حيث قال: “اسلُكْ سبيلَ الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغترَّ بكثرة الهالكين”.

مدرسة حضارة العلم والمال قديمها وحديثها: التراجع هنا يحدُّ مِن صراعات المختلِّفين على علم، والذي قد يكون سببًا في تدميرهم بأيديهم؛ كحال أمم بادَتْ كما يتبيَّن لنا في كتاب الله؛ قال تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الجاثية: 17]، وما أعجب هذا؛ فالعلم مَظِنَّة رفع الخلاف، ولكن الآية دقيقة ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾، فعندما يَشُوبُ العلمَ بغيٌ أو تعاملٌ مع الباغين، يفقد أهل العلم عدالتهم[9].

ولا يَندُر اليوم أن يُوجِّه العلمُ للتجهيل والإضلال بتحويره أو كتمان بعضه! سواء لتدخل الربح المادي، أو سيطرة الهوى والأنا، والأسوأ أن يُطوَّع العلم في العالَم المُتقدِّم علميًّا لأغراض لا إنسانية ولا أخلاقية، فتغدو الخلافات مُدمِّرة؛ وإن الغرورَ بالعلم – وهو مِن آفات هذا العصر – يدعو أهله لتجاوُزِ الحقِّ، بدعوى اتِّباع العقل، ثم يَنسُبون الحقَّ لأنفسهم ليَسُودُوا، وقد يَنجُمُ صراعٌ مع مخالفيهم، مُجرياتُه أبعد ما تكون عن العقل، فلنتواضَعْ ونتراجعْ في الوقت المناسب، مهما بلغنا من العلم ومِن سداد الرأي.

خلاصة البنود العملية للتراجع نستقيها مما سبق:
مارِسِ التراجعَ بينك وبين نفسك مع كل خطأ محدود، وقد يلزم أن تُعْلِم به البعض فانتقِهِم بعنايةٍ.

لا ضرورةَ للإعلان عن كل تراجع، خاصة في زمننا، فبعض الحالاتِ الإعلانُ عنها يُضِرُّ أكثر مما ينفعُ، وفي المقابل هناك مواقفُ يتحتَّمُ إعلان التراجع عنها في نفس الظروف وبنفس القوة التي نُشِر فيها الموقف الخاطئ.

ليس هناك ما يَحجُبُك عن الله تعالى، فالجَأْ إليه – بقلبك وقولك وعملك – في كل مرة تَجد صعوبةً في التراجع، وسينشرح صدرُك له.

استَشِرْ واستشفعْ، واستفِدْ مِن القدماء، ومَن حولك مِن حكماء زمانك ومَن استشارهم، واقتدِ بتواضعهم وتراجعهم، ففي علم الحديث مثلًا يُسمَّى الذي إن نوقش تراجع: الرَّجَّاع، وقالوا: “يفوزُ الرجَّاع بالثناءِ الحسن والثقةِ بدينهِ وعقلهِ”).

متى:
تراجع كلما برزت ضرورة مما ذُكِر، وبالذات متعلقة بالضرورات الخمس: الدين، والنفس، والعِرض، والمال، والعقل.

وتحرَّ التراجعَ المُبكِّر، والأمرُ يُشبِه ضمان الشفاء بالتبكير بعلاج المرض قبل تفاقُمِه وانتشاره وإنهاكه للجسم؛ قال تعالى: ﴿المص * كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 1، 2]، والخطاب للحبيبِ صلى الله عليه وسلم، لكن نتعلَّم منه, فكثيرون اليوم يجدون حرجًا مِن بعض آيات القرآن؛ كأنها تهمةٌ! ليس في صدورهم فحَسْب، بل في أفعالهم وأقوالهم وكتاباتهم، ومجردُ الحرج إن سارعت وتراجعت عنه سلِمْتَ، فالخطورة أن تركَنَ إليه وإلى مُروِّجيه، بينما يَغْدُو التراجعُ عسيرًا بتحوُّل الحرج إلى تكذيب، ليأتي الأسوأُ وهو الطبعُ على القلب؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: 101]! ذلك هو بلاءُ التكذيب لمن يصدع بالحق، للمُرسَل، للمُصلِح، للمتبين يُبين لك!

بلاءُ عدمِ التراجع عنه يقودُ إلى بلاءٍ أعظمَ، هو الطبع على القلب، ثم الفشل التام عن التراجع! وكأنها حَلْقة مفرغة، غفر الله لنا!

التراجع ليس – بالضرورة – العودةَ لموقف أو لفكرٍ قديم سابق، ولا للفكر الأحدث، ولكن لما هو أفضل وأعدل، بما يُحقق وسطيَّتنا.
وقد مَرَرْنا بخطواتِه العامة، وأهم عناصرها: الإصلاح والتبيين.

عندما يتراجَعُ الأشخاص المُؤثِّرون لتصحيح مسارٍ عامٍّ، فَهُمْ غالبًا لا يُترَكون وشأنَهم، فهنالك مَن يُحارِبُ التراجع؛ لأنه مستفيدٌ مِن استمرار الأخطاء وعواقبها.

وفي الختام:
فإن التراجع اليوم بالنسبة للمتلقي:
تراجعٌ إيجابي ولازم، ومُثابٌ فاعلُه، ومؤاخذ تاركُه؛ كما أسلفنا.
بينما هو عملٌ آثم للتكفير والتشويش، ممَّن يؤمنون وجه النهار ويكفرون آخره؛ قال تعالى – يفضح خطة أسلافهم – في آل عمران: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: 72].

وهذا وذاك مِن الوسائل المعروفة للإعلام المعاصر، ومُكوِّن مُهم للحرب الإعلامية بين الحق والباطل؛ مما يضع كلًّا منا على ثَغْرٍ في التعلم والتمحيص، والحذر قبل الإقدام، والتراجع, والنشر، وتلقِّي ما ينشر، ومسؤولية الناقل في التراجع لا تقل أهميةً!

ومما يذهلني وجود مختصين في بعض الأمور ينشرون موادَّ فيها أخطاءٌ مُموهة أو واضحة مع الأسف، وعندما يُعاتَبون يقولون: لم أجد وقتًا لسماعه كاملًا، ولا يقول عنه سوءًا: لم أكن متأكدًا، ولم أصدق نصفَ ما فيه!
إذًا لماذا تنشره؟! ثم هلَّا تراجعت مُبيٍّنًا ذلك لمن أرسلتَه لهم؟!
غفر الله لنا، وجعلنا من أهل الهمة للتبيُّن والتبيين، والشجاعة للتراجع عن الأسوأ لما هو أحسن

تعليقك على الموضوع