الرئيسية / دين ودنيا / نائب رئيس جامعة بيرشام الدولية بأسبانيا يتحدث عن علم الوراثة من منظور الإسلام |الشارع نيوز

نائب رئيس جامعة بيرشام الدولية بأسبانيا يتحدث عن علم الوراثة من منظور الإسلام |الشارع نيوز

بقلم \ الكاتب والمفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي ، والمدير التنفيذي للأكاديمية الملكية للأمم المتحدة
يبدو للكثير أن علم الوراثة Genetics مما لاشك فيه أنه يبدو للكثير أن علم الوراثة ما هو إلا علم حديث النشأة، وُلد بين علوم الحياة الأساسية الكبرى؛ كالفسيولوجيا Physiology، وعلم الأجنة Embryology، وعلم الخلايا Cytology، وبيولوجيا التناسل Reproductive Biology، والهندسة الوراثية Genetic Engineering، وغيرها، ويَعزي المؤرِّخون نشأة هذا العلم إلى الراهب النمساوي “مندل” الذي ابتكر أسسه وقوانينه، ويَنسبون تطوَّره إلى كوكبة من علماء البيولوجيا أمثال “دي فريرز” و”باتيسون” و”مروجان” وغيرهم، لكن التاريخ الحقيقي لعلم الوراثة يشهد بما لا يدع مجالاً للشكِّ بأن علماء الحضارة الإسلامية هم أول من استخدم مصطلح “القيافة”، وتحدَّثوا عن تحسين النسل والولد، وأشاروا في مؤلفاتهم إلى دور الفرسان العرب في مجال الانتقاء الوراثي Heredity Selection الذي مارَسوه على الخيول العربية، وعُنوا بدراسة ظاهرة “التهجين” Crossing في الإنسان والحيوان والطيور، وفطنوا إلى حكمة التشريع الإسلامي في تحريم زواج المحارم، والأدلة الدامغة على هذه الحقيقة الناصعة عن دور علماء المسلمين في تأسيس علم الوراثة يمكن استخلاصها من أمهات الكتب التراثية للقزويني والجاحظ وشريف الدين الدمياطي وابن قيِّم الجوزية وابن الجزار القيرواني وغيرهم.

القيافة أساس علم الوراثة:
ورَد مصطلح “قيافة البشر” في كتب التراث الإسلامي لتفسير التشابه بين الخلف والسلف؛ فقد جاء في كتاب “عجائب المخلوقات، وغرائب الموجودات” للقزويني ما نصُّه: “القيافة على ضربين: قيافة البشر، وقيافة الأثر: أما قيافة البشر فالاستدلال بهيئات الأعضاء على الإنسان، وأما قيافة الأثر فالاستدلال بآثار الأقدام والخفاف والحوافر”.

وقد اشتهر بقيافة البشر قوم مِن العرب يقال لهم: “بنو مدلج”، يُعرَض على أحدهم مولودٌ في عشرين امرأة فيهنَّ أمه يُلحقه بها، وحكى بعض التجار قال: ورثتُ من أبي مملوكًا أسود شيخًا، فكنتُ في بعض أسفاري راكبًا على بعير والمملوك يقوده، فاجتاز علينا رجل مِن بني مدلج أمعن فينا نظره وقال: ما أشبه الراكب بالراجل، فوقع في قلبي من قوله ما وقع، حتى رجعتُ إلى أمي وأخبرتُها بما قال المدلجي، فقالت: صدق والله المدلجي، اعلم يا بني أنه كان زوجي شيخًا كبيرًا ذا مال لم يولد له ولد، فخشيتُ أن يفوت ماله عنا بموته، فمكَّنت نفسي من هذا المملوك الأسود فحملتُ بك، ولولا أن هذا شيء ستَعلمه في الآخرة ما أخبرتك به في الدنيا.

علم الأجنة وبداية تكوين الكائن الحي:
من ناحية أخرى، تعرَّض ابن قيم الجوزية لقضية خَلقِ الأجنة، حث قرر في كتابه “تحفة المودود، بأحكام المولود” أن أصل التشكيل الصحيح للكائن الحي ما هو إلا اتحاد نطفة الذكر ببيضة الأنثى، واستشهد بقوله تعالى في كتابه العزيز: ﴿ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [الأنعام: 101].

فالولد إذًا لا يتكوَّن إلا من الذَّكَر وصاحبته، والحق أن الخالق العليم قد أخبر بهذه الحقيقة الهامة في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، وذكر “النطفة الأمشاج” كأساس لخَلقِ الجَنين، وكعامل وراثي في عملية التكاثُر البشريِّ؛ فقال تعالى: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [الإنسان: 2].

والنطفة الأمشاج تتألف من اندماج بيضة الأنثى وخلية الرجل (الحيوان المنَوي)، ويُسمِّيها العلم الحديث: “الزيجوت” Zygote، ويكون مقرُّها رحم المرأة؛ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ﴾ [المؤمنون: 13]، وقوله جل شأنه: ﴿ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ [الحج: 5].

وتظهر أهمية هذا التأصيل الإسلامي واضحة جليَّةً إذا علمنا أن البشرية لم تعلم شيئًا عن النطفة الأمشاج (أو الزيجوت) المكونة من أخلاط الرجل والمرأة إلا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بعد أن تطورت طرق التشخيص وتقنية المجاهر (الميكروسكوبات)، فقد تخبَّط الغرب قرونًا طويلة حيال موضوع تكوين الجنين، واعتقد البعض بأن المولود الجديد يولد من بيضة الأنثى فقط، بينما اعتقد آخرون بأن الكائن الحيَّ ينشأ ويتطور من الحيوان المنويِّ فقط، بل إن أحدهم، وهو “هارتسوكر” Hartsoeker، عندما كان ينظر عبر المجهر إلى السائل المنوي للرجل تخيَّل أنه يرى في رأس الحيوان المنويِّ كائنًا صغيرًا Homancules يذكِّر بالمظهر الخارجي للرجل، وهذا الكائن الصغير الملتفُّ ذو أعضاء قادرة على النمو في وجود الظروف الملائمة، ودور المرأة في تكوينه لا يَعدو كونها حاضنة فقط [1].

الوحدات الوراثية:
ذكر ابن قيم الجوزية في كتابه “تحفة المودود، بأحكام المولود” أن في نطفة الرجل “عناصر” مختلفة صغيرة جدًّا من أجزاء الجسم كله، وأن في بذرة الأنثى مثل ذلك[2].

وإذا علمنا أن ابن قيم الجوزية عاش بين (691 – 751 هـ) أو: (1291 – 1350م)، فإن أمانة التأريخ العلمي تفرض علينا أن نَنسب نشأة هذا العلم إلى عصر الحضارة الإسلامية، على عكس ما تَذكُره المؤلفات الغربية التي تنسبه إلى مندل ومروجان في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

ويَكمن جوهر النظرية التي قال بها مندل حوالي عام 1860 م في النتيجة التي توصل إليها من خلال أبحاثه على نتيجة البازلاء، وهي تدور حول الصفات الظاهرة في الكائنات الحية نتيجة وجود “وحدات غامضة” تنتقل بين أجيال النوع الواحد، وتسبِّب الفروق الحادة في امتلاك صفات معينة؛ ذلك أن كون البازلاء طويلة أو قصيرة يتوقَّف على هذه الوحدات، فإذا خلطنا بين هاتين الصفتين من خلال تزاوج البازلاء فإن ظهور إحدى الصفتين بصورة غالبة يتوقَّف على مدى سيادة إحدى الوحدتين، ويُطلق على الصفة الغالبة اسم الصفة السائدة Dominant، أما غير الظاهرة فتُسمَّى الصفة المتنحية Recessive، وهذا يعني أن الجيل الجديد من البازلاء لا يزال يَحمل إحدى صفات الأبوين أو كليهما على أساس أن هناك صفة ظاهرة وأخرى متنحية، ومِن ثَمَّ فإن الجيل الجديد يكون خليطًا من الاثنين[3].

وقد أطلق العلم الحديث على هذه “العناصر” التي قال بها ابن قيم الجوزية، أو “الوحدات الغامضة” التي ذكرها مندل، اسم المورِّثات (أو الجينات Genes)، وأثبتَت أجهزة الفحص الدقيقة أن هذه المورِّثات تَحملها أجسام بروتينية دقيقة جدًّا (حوالي جزء من المليون من الميللمتر) تسمى الصبغيَّات (أو الكروموسومات Chromosomes)، وقد أكَّد العلم الحديث أن هذه الكروموسومات والمورثات هي المسؤولة عن الصفات والملامح التي تعطي الإنسان صفته وشكله واستعداده لكثير من الصفات البدنية والنفسية والخلقية؛ فقد تبيَّن أن صفات الرجل تتضامن عن طريق الصبغات والمورثات الخاصة بها مع صفات الأنثى لتنتج جنينًا يجمع بين صفاتهما، وقد تتغلَّب صفة سائدة عند الأب فتظهَر حسب قوانين علمية معروفة تمَّ اكتشافها حديثًا في علم الوراثة، ويترتب عليها في بعض الأحيان أن يكون الشبه بين المولود ووالديه غير ظاهر، بل ربما يكون الشبه معدومًا بين الطفل ووالديه.

ومِن المُصطلحات العلمية الحديثة في هذا الشأن مصطلح “النزوع إلى الأصل في الصفات الوراثية” Atavism، ويُمكن التدليل على سبق العرب إلى معرفته بما رواه الطبري في كتابه “فردوس الحكمة” من أنَّ امرأة ولدت بنتًا بيضاء من رجل حبشيٍّ، وأدركت ابنتها تلك وتزوَّجت من رجل أبيض فولدت ولدًا أسود؛ لأن الولد – كما يقول الطبري – نزَع إلى لون الجد (أبي الأم)[4].

بل إن الرسول الأمي العربي محمدًا صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى قال في الحديث الشريف: ((تخيَّروا لنُطَفكم؛ فإن العرق دساس))[5]، وخير دليل نسوقه من قصة الرجل الذي جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم شاكيًا من أن امرأته ولدت غلامًا أسود، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: ((هل لك إبل؟))، قال: نعم، قال: ((فما ألوانها؟))، قال: سود، قال: ((هل منها مِن أورق؟)) قال: نعم، قال: ((فأنى له ذلك؟))، قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال: ((وهذا – يعني: ولده – عسى أن يكون نزعه عرق))، قال الرجل: فقدم عجائز من بني عجل فأخبرنَه أنه كان للمرأة جدة سوداء، وفسَّر ابن قيم الجوزية هذا الحادث تفسيرًا علميًّا على أساس انتقال ما أسماه “الأجزاء” من السلف البعيد إلى الخلف، وذلك قبل أن يأتي العلم بمصطلحات “النزوع إلى الأصل”، و”الصفات السائدة” و”الصفات المتنحية” بزمن طويل[6].

ظاهرة التهجين وتحسين النسل:
يزخر التراث العلمي الإسلامي بالعديد من الأمثلة على أنماط التهجين المختلفة، فنجد القزويني – على سبيل المثال – يشرح خصائص الحيوانات الهجينة بقوله: “إنَّ الحيوانات المركَّبة تتولد بين حيوانين مختلفين في النوع ويكون شكلها عجيبًا بين هذا وذاك، فاعتبر حال البغل، فإنَّ ما من عضو منه إلا وهو دائر بين الحمار والفرس”[7]، ويعلِّق الجاحظ على ظاهرة التهجين تعليقًا علميًّا صحيحًا فيقول: “إننا وجدْنا بعض النتاج المركَّب وبعض الفروع المستخرجة منه أعظم من الأصل”[8].

ويعترف العالم بإسهامات علماء المسلمين في مجال تحسين النسل عن طريق انتقاء صفات وراثية معينة، وذلك بحرصهم على أنساب الخيول العربية في حصر التزاوج فيما بينها وبين أفراس أصيلة ذات صفات وراثية محدَّدة، وتابعوا اصطفاء الصفات على الأنسال القادمة، ومنعوا أي تزاوجات عشوائية مع أفراد مغمورة أو وضيعة النسب، فكأنهم بهذا التحديد يَحصرون حدود الصفات الوراثية الممتازة كالرشاقة والجمال وضمور البطن والعدْو السريع والحسِّ المُرهَف والذكاء المُفرط والعُرْف الغزير المتدنِّي وصِغر الآذان، وغيرها من الصفات المرغوبة في مجموعة معينة من الأفراس، ما لبثَت أن كبرت وزادت أعدادها مع مرور الزمن؛ بحيث شكلت نواة ممتازة لنشوء سلالة الخيول العربية التي عمَّت شُهرتها العالم كله، وكان لهذا التكوين الوراثي Genotype أكبر الأثر في لفت الأنظار بعد ذلك إلى استيراد الخيول العربية ودخولها في التهجين مع سلالات أخرى لرفد مورِّثاتها بخصائصها الفذة.

زواج الأقارب والأباعد:
كان الزواج بالأقارب شائعًا عند كثير من الأقوام والشعوب، ولما جاء الإسلام حرَّم زواج المحارم لحِكَم نفسية واجتماعية وطبية ووراثية أوضح العلم الحديث جوانب كثيرة منها؛ قال تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 23].

وحبَّب الإسلام إلى المسلمين الزواج بالأباعد في النسَب، فرغبوا فيه؛ لأنه أنجَبُ للولد، وأبهى للخِلقة، واتَّضح ذلك من أقوالهم المأثورة وأشعارهم المنظومة؛ منها قول شاعرهم:
تجاوزتُ بنتَ العمِّ وهْي حبيبةٌ  مخافةَ أن يضوى عليَّ سليلي

ويتفق هذا المطلب الإسلامي في الحث على الزواج بالأباعد مع معطيات علم الوراثة الحديث اتفاقًا كاملاً؛ ذلك أن استمرار تزاوج الذرية بالأقارب يُفضي إلى إقلال درجة التناسُل حتى لقد تصل أخيرًا إلى العقم، كما يؤدي إلى إضعاف السلالة، ويزيد من احتمال ظهور الصفات والأمراض الوراثية المتنحية التي يحصي منها المتخصصون ما يزيد عن مائة مرض معروف، مثل البرص الوراثي، والبول الأسود، وبعض أمراض الشبكية، ومرض السكَّر، وارتفاع ضغط الدم، وغير ذلك من أمراض الجهاز العصبي وأمراض التخلُّف العقلي، وكثير من العيوب الخلْقية والخلُقية[9].

وأخيرًا: لعل هذا العرض الموجز الذي قدمناه يدحض زعم القائلين بأن علم الوراثة بمَباحثه المختلفة علم غربي حديث، وليست له أرومة تاريخية عند العرب أو غيرهم من الأمم.

________________________________________
[1] د. محمد مروان السبع، مرجع سابق.
[2] المرجع السابق.
[3] ناهد البقصمي: الهندسة الوراثية والأخلاق، عالم المعرفة، الكويت 1413هـ / 1993م.
[4] د. محمد مروان السبع، مرجع سابق.
[5] أخرجه ابن ماجه والحاكم.
[6] د. محمد مروان السبع، مرجع سابق.
[7] زكريا بن محمد بن محمود القزويني، مرجع سابق.
[8] عمرو بن بحر بن محبوب الجاحظ: الحيوان، طبعة بيروت 1978 م.
[9] جاء في الحديث الشريف الذي أخرجه ابن ماجه: (اغتربوا لا تضووا))؛ أي: تزوَّجوا في الأباعد ولا تتزوجوا في الأقارب؛ لئلا تُسبِّبوا ضعف نسلِكم وهزاله.

تعليقك على الموضوع