أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / “ابن عطاء الله السكندري” أعجوبة زمانه في التصوف

“ابن عطاء الله السكندري” أعجوبة زمانه في التصوف

 

بقلم: د. عمر محمد الشريف

صاحب المؤلفات البديعة والمصنفات البارعة ، علماً من أعلام الفكر الصوفي المستنير ، جمع بين رئاسة علوم الشريعة وعلوم الحقيقة ، الإمام العلامة ، الفقيه الزاهد ، الملقب بتاج الدين ، أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الرحمن بن عبدالله بن أحمد بن عيسى بن الحسين بن عطاء الله السكندري داراً ، الجذامي نسباً ، المالكي مذهباً ، الصوفي مشرباً ، ولد رحمه الله في بدايات النصف الثاني من القرن السابع الهجري ولم تذكر المصادر المتاحة سنة مولده بالتحديد ، وأصل أجداده من قبيلة جذام إحدى قبائل العرب القحطانية اليمانية الأصل ، وفدوا إلى مصر بعد الفتح الإسلامي ، ونشأ ابن عطاء الله بثغر الأسكندرية ، فتبحر في دراسة علوم التفسير والفقه والحديث والعقيدة والنحو والبلاغة ، ودرس على يد كثير من علماء عصره .

من المفارقات أنه بدأ حياته منكراً للتصوف معترضاً عليه متعصباً لعلوم الفقهاء ، إلا أن دوام الحال من المحال ، فجاءت نقطة التحول حين قابل شيخه وأستاذه المرسي أبي العباس عام 674هـ ، حيث يرجع سبب دخوله التصوف إلى سبب عجيب قصه بنفسه في كتابه “لطائف المنن في مناقب أبي العباس المرسي وشيخه أبي الحسن” فيقول:

“وكنت لأمره – يعني المرسي أبو العباس – من المُنكرين ، وعليه من المُعترضين ، لا لشيء سمعته منه ولا لشيء صحّ نقله ، ولكن جرت المخاصمة بيني وبين أصحابه ، فقلت فيهم قولاً عظيماً ، ثم قلت في نفسي:

دعني أذهب أنظر إلى هذا الرجل فصاحب الحق له أمارات لا يخفى شأنه ، فأتيت إلى مجلسه ، فوجدته يتكلم في الأنفاس ومسألة درجات السالكين إلى الله ، ومدى معرفتهم به وقربهم منه ، فقال: الأول إسلام ، وهو درجة الانقياد والطاعة والقيام بمراسيم الشريعة ، وثانيها الإيمان ، وهو مقام معرفة حقيقة الشرع بمعرفة لوازم العبودية ، وثالثها الإحسان ، وهو مقام شهود الحق تعالى في القلب ، وإن شئت قلت الأول شريعة ، والثاني حقيقة ، والثالث تحقق ، فمازال يقول “إن شئت قلت إن شئت قلت” إلى أن بهر عقلي وسلب لبي ، فعلمت أن الرجل إنما يغترف من فيض بحر إلهي ، ومدد رباني ، فأذهب الله ما كان عندي .

ثم أتيت تلك الليلة إلى المنزل ، فلم أجد شيئاً يقبل الاجتماع بالأهل على عادتي ، ووجدت معنى غريباً لا أدري ما هو؟! فانفردت في مكان أنظر إلى السماء والكواكب وما خلق الله فيها من عجائب قدرته ، فلمس قلبي أشياء لم أعرفها من قبل ، فحملني ذلك على العودة إليه مرة أخرى ، فأتيت إليه ، فاستؤذن لي عليه ، فلما دخلت إليه قام قائماً وتلقاني ببشاشة وإقبال حتى دهشت خجلاً ، واستصغرت نفسي أن أكون أهلاً لذلك ، فكان أول ما قلت له: يا سيدي ، أنا والله أحبك ، فقال: أحبك الله كما أحببتني .

ثم شكوت إليه ما أجده من هموم وأحزان ، فقال: أحوال العبد أربع لا خامس لها: النعمة ، والبلية ، والطاعة ، والمعصية . فإن كنت في النعمة فمقتضى الحق منك الشكر ، وإن كنت بالبلية فمقتضى الحق منك الصبر ، وإن كنت بالطاعة فمقتضى الحق منك شهود منته عليك ، وإن كنت بالمعصية فمقتضى الحق منك وجود الاستغفار . فقمت من عنده وكأنما كانت الهموم والأحزان ثوباً نزعته” .

لزم شيخه أبي العباس المرسي بعد أن أعجب به إعجاباً شديداً ، وصار من خواص أصحابه فأخذ عنه الطريقة الشاذلية التي أرسى أبو العباس دعائمها من بعد مؤسسها أبي الحسن الشاذلي ، وظل المرسي قائماً على الطريقة حتى توفي بالإسكندرية سنة 686هـ ، فخلفه عليها ابن عطاء الله السكندري ، الذي كان أول من صنف مصنفات كاملة في بيان آداب الطريقة والتعريف بها وبقواعدها ، كما ترجم لمشايخه الشاذلي والمرسي وجمع أقوالهما وأدعيتهما ، فحفظ بذلك تراث الطريقة الشاذلية ، ويقول الدكتور أبو الوفا التفتازاني رحمه الله انه لولا ابن عطاء الله السكندري لضاع هذا التراث .

واستقر في الأزهر الشريف يدرّس الفقه والتصوف ، ولمع أسمه عالماً من أجل علماء الشريعة ، فتخرج على يديه الكثير من العلماء من أمثال الإمام تقي الدين السبكي ، والإمام القرافي ، قال الذهبي: “كان ابن عطاء الله السكندري يتكلم بالجامع الأزهر فوق كرسي ، يروح النفس ، ويمزج كلام القوم بآثار السلف وفنون العلم ، فكثر أتباعه ، وكانت عليه سيما الخير” .

لعل من أكثر كتبه انتشاراً كتاب “الحكم العطائية” وهو مجموعة من الحكم والنصائح البليغة ، قام بشرحها كثير من العلماء ومنهم ابن عجيبة ، ابن عباد النقري ، الشيخ عبد الله الشرقاوي ، الشيخ الشرنوبي ، الشيخ زروق وغيرهم ، وعالج في كتابه مختلف الموضوعات التي تحدث عنها الصوفية ، ومن أهمها: كيف نستدل على الله ، صلتنا بالله ، التجريد والأسباب ، الشهرة والخمول ، دقائق الرياء .

توفى بالمدرسة المنصورية بالقاهرة سنة 709هـ/1309م ، ودفن بسفح جبل المقطم بزاويته التي كان يتعبد فيها ، ولازال قبره موجود حتى الآن بجبانة سيدي علي أبو الوفاء ومسجده بجوار قبره ، ومن مؤلفاته رحمه الله: التنوير في إسقاط التدبير ، تاج العروس في تهذيب النفوس ، القول المجرد في معرفة الأسم المفرد ، مفتاح الفلاح ومصباح الأرواح ، عنوان التوفيق شرح قصيدة أبي مدين التلمساني .

شاهد أيضاً

سلسلة من الحج تعلمت !!:الشارع نيوز

بقلم/ انتصار ربيع عبدالحميد قال تعالي: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ...

تعليقك على الموضوع