الرئيسية / مقالات / رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن تاريخ الكتاب |الشارع نيوز

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن تاريخ الكتاب |الشارع نيوز

 

بقلم \ الكاتب والمفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد اللطيف
نائب رئيس جامعة بيرشام الدولية بإسبانيا والرئيس التنفيذي، والمدير التنفيذي للأكاديمية الملكية للأمم المتحدة
كان الناس أول عهدهم بالتدوين والكتابة يتخذون الصحائف من ورق البردى وهو نوع من النباتات التي كانت تعرف باللغة اليونانية باسم ((بابيروس)) وقد سميت في بعض كتب العرب ((فافير)) وسماها ابن حوقل ((البربير)) وهو تحريف للاسم اليوناني، وعامة المصريين يسمون هذا النوع من النبات: الخوص أو الخوصي، ويكثر ظهوره في مصر والحبشة وبلاد النوبة. وقد عثر المنقبون عن الآثار على قطع كثيرة من ورق البردى في الهياكل المصرية وعليها كتابات بالقلم المصري القديم (الهيروغليفية).

أما العرب في أول عهدهم بالكتابة، فإنهم لم يستعملوا هذه الصحائف النباتية لعدم وجودها في بلادهم. وإنما كانوا يكتبون في أكتاف الإبل واللّخاف، وهذه هي الحجارة الرقاق البيض، وفي العُسُب، عسب النخيل، ثم لمّا أصابوا حظاً من الرقي والحضارة بعد الإسلام، لاسيما في أواخر العهد الأموي وأوائل العهد العبّاسي، بدؤوا باستعمال الورق الخراساني، المصنوع من الكتان، وقيل إن هذا النوع من الورق وصل إلى البلاد العربية عن طريق صناع من الصين عملوه بخراسان على مثال الورق الصيني.

والواقع أن العرب لم تكن حياتهم غير المستقرة، لتسمح لهم بالتفرغ للكتابة والانصراف إلى التأليف على نحو ما كانت عليه الأمم الأخرى التي سبقتهم إلى حياة الاستقرار في الحواضر والمدن. فلما انتقل بهم الإسلام من البداوة إلى الحضارة، أقبلوا على الكتابة وصنّفوا الكتب. إلاّ أن ما عرف لهم بهذا الصدد، لم يكن يتجاوز في صدر الإسلام بعض المؤلفات باللغة العربية مما له علاقة بأحكام الشريعة، حاشا الطب كما يقول القاضي صاعد بن أحمد الأندلسي ((فإنه كان موجوداً عند أفراد منهم)).

ويقول المرحوم الشيخ عبدالقادر المغربي في مقالة له نشرتها مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق تحت عنوان ((فصحاء الأعراب))، أنه وجد في خزانة الأنبار عدة كتب بخطوط بعض الصحابة والتابعين. ونُقل عن ابن النديم أنه رأى في إحدى المكتبات قِمطراً كبيراً فيه نحو ثلاثمائة رطل من جلود وقراطيس مصرية وورق خراساني وتهامي فيها خطوط بعض الصحابة وبينها أربعة أوراق رجّح أنها من ورق الصين، عنوانها: ((هذه فيها كلام في الفاعل والمفعول من أبي الأسود الدؤلي بخط يحيى بن يعمر)) الذي كان من تلاميذ أبي الأسود، وهو من أبناء القرن الأول للإسلام.
وذكر المرحوم الشيخ أحمد عارف الزين صاحب مجلة العرفان الصيداوية بلبنان، أن سيدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه، كانت له رسالة في ((الديّان))، وأن أبا ذر الغفاري وسلمان الفارسي الصحابيين ألفا في الأخبار والسّيَر.

هذا فيما يتصل بالتأليف والتدوين والكتابة، أما فيما يتصل بجمع الكتب وإفرادها في أمكنة خاصة للقراء والمطالعة، فإن محمد كرد علي يذكر بأن الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز كان أول من فعل ذلك، إذ كتب إلى عامله على المدينة المنورة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن ينظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سنته ويكتبه لأنه ((خاف دروس العلم وذهاب العلماء)).
ونُقل عن هشام بن عروة قوله: “أحرق أبي يوم الحَرّة – سنة 63 للهجرة – كتب فقه كانت له، فكان يقول بعد ذلك؛ لأن تكون عندي، أحب لديّ من أن يكون لي مثل أهلي ومالي”.

على أنه قد ثبت لدى المحققين، أن أول خزانة كتب في الإسلام، أنشئت في دمشق، أنشأها خالد بن يزيد بن معاوية المتوفى سنة 85 للهجرة. وهذه الخزانة غمرتها الأحداث السياسية ونهشت محتوياتها الفتن والمنازعات التي قامت بين الأمويين والعباسيين، فلم يصل إلينا من أخبارها إلا أنها كانت تحتوي على بعض المؤلفات في العلوم التي نقلت عن القبطية واليونانية والسريانية، في الكيمياء والطب والنجوم، وربما كان فيها شيء من كتب الجغرافيا؛ لأن القفطي، العالم المؤرخ المشهور، ذكر في كتابه ((تاريخ الحكماء)) أثناء ترجمة الفلكي المشهور بابن السنيدي، أن الوزير أبا القاسم أحمد بن علي بن أحمد الجرجاني تقدم سنة 435 هجرية للعمل في خزانة الكتب بالقاهرة ليعمل لها الفهرست ويرم ما خلق من جلودها، فوجد فيها كرة من نحاس من عمل بطليموس (اليوناني) مكتوب عليها: حملت هذه الكرة من خزانة الأمير خالد بن يزيد بن معاوية))، وتأمل ما مضى من زمانها فكان ألفاً ومئتين وخمسين سنة…

وكان خالد بن يزيد المذكور، محباً للعلم والحكمة، وكانوا يسمونه: حكيم آل مروان، ويحكى عنه أنه استقدم من الاسكندرية راهباً رومياً اسمه ((مريانوس)) ورغب إليه أن يعلمه صناعة الكيمياء، وأنه أمر باحضار جماعة من فلاسفة اليونان ممن كانوا ينزلون بمصر وكلفهم بنقل كثير من الكتب العلمية من اللسانين اليوناني والقبطي إلى العربي، فكان أول من عُني بالترجمة في الإسلام.
فإذا صح ما ذكر عن خالد بهذا الصدد، وهو في أرجح الظن صحيح، فإننا نستطيع أن نزعم بأن هذا الأمير العربي الأموي، كان أول من تصدّى من علماء المسلمين للعناية بالكتب بشكل جدي، وبالتالي أول عربي مسؤول توفّر على جمع المصنفات العلمية في مكتبة مستقلة خاصة، لتكون مرجعاً موثوقاً في مختلف الموضوعات والمواد، كي تيسر لمن يرتادها من العلماء والأدباء سبل البحث وأسباب الدراسة والتحقيق.

وفي أثر خالد بن يزيد بن معاوية، وعلى سنته في الترجمة والتأليف وجمع الكتب، سار من جاء بعده من أولي الأمر الحاكمين والوجهاء والنافذين أيام بني أمية، فقد رُوي أن الخليفة العمراني الكبير الوليد بن عبدالملك كان محباً للقراءة شغوفاً بجمع الكتب وأنه كان يملك خزانة كبيرة جعل عليها رجلاً يقال له سعد، وأن سعداً هذا كان يعرف بين الناس بأنه ((صاحب المصاحف)) وهو اللقب الذي يقابله اليوم ((أمين دار الكتب)).
ويحكي لنا ابن النديم في كتابه الفهرست، أن أول من كتب المصاحف في الصدر الأول، ويوصف بحسن الخط هو خالد بن أبي الهيّاج، وقال ابن النديم إنه رأى مصحفاً بخطه. وكان سعد المذكور نُصب لكتابة المصاحف والأخبار والشعر للوليد بن عبدالملك.

وعلى غرار الوليد بن عبدالملك، كان سميّه وابن أخيه، الوليد بن يزيد بن عبدالملك الذي كان من فتيان قريش وأدبائهم وظرفائهم، فإنه اشتهر بحب الكتب والتماسها من كل سبيل حتى جمع منها في دار الخلافة، التي لم يشغلها إلا سنة وبعض السنة، ما جعل ابن سعد المؤرخ المعروف يقول في كتابه ((الطبقات الكبرى)): “حُملت الدفاتر (الكتب) على الدواب من خزائن الوليد بن يزيد…”.
وكما قلنا من قبل، فإن الكتاب لم يكتف بما أصابه من عناية واهتمام وترحيب في أبهاء القصور الملكية وأفنائها الواسعة، بل هو تابع خطواته في طريق الازدهار والمجد، حتى طرق أبوابها سائر الناس من كل طبقة ومن كل لون، ودخلها واستقر بها وازدانت به الرفوف، بعضها فوق بعض.
فقد ورد في سيرة الزّهري المحدث، من أعلام التابعين وقد توفي سنة 124 هجرية، ورد أنه كان إذا جلس في بيته، وضع كتبه حوله مشتغلاً بها عن كل أحد، فتضيق زوجته به ذرعاً وتقول له: والله لهذه الكتب، أشد علي من ثلاث ضرائر… ومن الطريف أن نساء اليوم لسن أقل تبرماً بالكتاب من زميلتهن زوجة الزهري قبل ثلاثة عشر قرناً من الزمان، ومن أراد الدليل على ذلك فليسأل زوجته إن كان من أهل الكتابة والكتب.

هذا وبعد أن أصبح الكتاب جزءاً من مظاهر الحياة الفكرية عند العرب، وأخذ الناس يتنافسون في التماسه في مظانه، سواء كان مصنفاً باللغة العربية أو بغيرها من اللغات الأخرى التي كانت تعتبر حية في زمانهم، كالفارسية واليونانية والسريانية، ويجمعون منه أعداداً كبيرة في بيوتهم أو في أمكنة أخرى خاصة بالطبقة الحاكمة أو مباحة لعامة الجمهور، بعد أن أصبح الكتاب على هذا المستوى من فضول الناس وعنايتهم، بدأت تظهر على الألسنة، المصطلحات التي تتصل به وبالمختصين فيه بغية التعريف بهم وتمييزهم عن غيرهم من أهل الصناعات والحرف الأخرى.
وأول ما استعمل العرب للكتاب وللدلالة عليه هو كلمة ((دفتر)) ثم تركوا هذه الكلمة واستبدلوا بها أخرى، وهي كلمة ((مصحف)). حتى إذا انتصف القرن الثاني للهجرة تخلى الناس عن الكلمتين السابقتين واستعملوا بدلاً منهما كلمة ((كتاب)) اسماً لكل مصنف علمي في أي لون من ألوان الفكر والثقافة وفي أي لغة من اللغات. ولعل الذين اختاروا هذه الكلمة قد استأنسوا بالقرآن الكريم الذي استعمل كلمة كتاب وكتب لمجموعة الآيات والسور التي أوحي بها على النبي صلى الله عليه وسلم أو المدونات الدينية الأخرى كالتوراة والزبور والإنجيل من الكتب السماوية المتقدمة.
أما بالنسبة للشخص الذي كانت مهمته جمع الكتب وصيانتها وإعدادها للمطالعة والقراءة، فإنه كان يحمل أول الأمر، لقب ((صاحب المصاحف)) وبقي هذا الشخص معروفاً بهذا اللقب ما بين العهدين الراشدي والأموي، وفي العهد العباسي غلب عليه لقب ((الخازن)) إذ شاع يومئذ استعمال هذا الاصطلاح على المسؤول عن الكتب المعدة للمطالعة العامة وبقي الناس عليه حتى زمن قريب من أيامنا.

ولقد جاء في رسالة الغفران لأبي العلاء المعري قوله على لسان إحدى الجواري: “أتدري من أنا يا أبا علي بن منصور؟ أنا توفيق السوداء، التي كانت تخدم في ((دار العلم)) ببغداد، على زمان أبي منصور محمد بن علي ((الخازن)) وكنت أخرج الكتب للنساخ”.
على أن كلمة ((الخازن)) كانت تطلق في ذلك الحين على الشخص الذي يقوم على خدمة الكتب في المكتبات غير التجارية، ونستطيع أن نقابله اليوم بالشخص الذي يقوم بوظيفة ((حافظ دار الكتب)).
أما الشخص الذي كان يتخذ من الكتب بضاعة تجارية للارتزاق والكسب المادي فإنه كان يعرف باسم ((القراطيسي)) وذلك نسبة إلى الورق الذي كانت العرب تسميه ((القرطاس)) والجمع ((قراطيس)) وقد ورد في ذكر القرطاس، بالجمع والإفراد في القرآن الكريم، إذ يقول الله تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} وفي مكان آخر: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ}.
وكلمة القرطاس ليست عربية وقد أرجعها بعضهم إلى كلمة ((كارت)) اليونانية، ومعناها: ما يكتب به من ورقة أو صحيفة.

وإنا لنجد ((الخطيب)) صاحب ((تاريخ بغداد)) يترجم لسبعة رجال عُرف كل منهم باسم ((القراطيسي)). وما يزال في دمشق، حتى يومنا هذا أسرة قديمة كنيتها ((القراطيسي)) أفرادها يتعاطون تجارة الورق.
وكذلك، فقد أطلق على بائع الكتب في الماضي اسم ((الكراريسي)) نسبة إلى الكراريس ومفردها ((كراس))، على أن الكلمتين: القراطيسي، والكراريسي، لم تعيشا طويلاً إذ ما لبث الناس أن استعملوا مكانهما كلمة أخرى هي ((الورَّاق))، وذهب بعضهم إلى أن الوراقة لم تكن محصورة في تجارة الكتب بل تناولت كذلك الاشتغال بكل ما يتعلق بالكتاب من ورق وكتابة ونسخ وخط وخيط وتجليد. وقد فصّل القلقشندي في ((صبح الأعشى)) أدوات الوراق بقوله: وهي القلم والدواة والحبر والليقة والسكين، والمقطّ والسن والمقلمة والملواق والمرملة أو المتربة، والرمل، والمنشأة، والملزمة والمفرشة والممسحة والمسقاة والمسطرة والمصقلة.

وكان للوراقين في كل بلد سوق خاصة بهم ويتولى أمرهم فيها رئيس عليهم يحمل لقب ((شيخ الوراقين))، ولهؤلاء الوراقين نظمهم وتقاليدهم ونوادرهم وقد ترك لنا بعض ظرفائهم شعراً ضمنوه انطباعاتهم عن مهنتهم، فقال واحد منهم وكان راضياً عن حرفته:
يمضي الزمان وكل فانٍ ذاهبُ إلا جميل الذكر فهو الباقي
لم يبق من إيوان كسرى بعد ذا ك الحفل إلا الذكر في الأوراق
هل كان للسفاح والمنصور وال مهديّ من ذكر على الإطلاق
أو للرشيد وللأمين وصنوه لولا شباة يراعة الوُرّاق
وقال آخر، وكان متبرماً بحرفته:
أما الوراقة فهي أنكد حرفة أوراقها وثمارها الحرمان
شبهت صاحبها بصاحب إبرة تكسو العراة وجسمها عريان

شاهد أيضاً

دولة الفكر  بقلم/ محمد السمان دراز  |الشارع نيوز

لنا إن نري دولتنا بأفكار مختلفة فمنا من يراها من وجهة نظره هي الحكومة ويري ...

تعليقك على الموضوع