أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / الرئيس التنفيذى لجامعة سيتي بمملكة كمبوديا يتحدث عن النابغة الذبيانى وشخصيته |الشارع نيوز

الرئيس التنفيذى لجامعة سيتي بمملكة كمبوديا يتحدث عن النابغة الذبيانى وشخصيته |الشارع نيوز

 

بقلم \ الكاتب والمفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى ، والرئيس التنفيذى لجامعة بيرشام الدولية بأسبانيا
من الشعراء المخضرمين الذين عاشوا في الجاهلية والإسلام، والنَّابغة لقبه، وقد اختُلف في السبب الذي من أجله أُطلق عليه هذا اللقب؛ فمِن قائل: إنه لم يسبق له أن قال شعرًا قبل أن يبلغ الثلاثين، ثم سال لسانه به فجأة فعُدَّ هذا منه نبوغًا، ومن قائل: إنه كان ينظم الشعر في الجاهلية ثم أرتج عليه هذا الباب، ليعود إلى النبوغ فيه في الإسلام.

واسمه هو أيضًا مختلف فيه: فهل هو حيان بن قيس أو عبدالله بن قيس أو قيس بن عُدس؟ أما كنيته فأبو ليلى.
ونفس الاختلاف نجده حول عُمُره: فبعضهم يكتفي بأن يبلِّغَه إلى مائة وعشرين سنة، وبعض يمده إلى المائتين، وبعض ثالث يرتفع به عن ذلك، والبعض ينزل به إلى مائة وثمانين، لكنه على أية حال كان معمَّرًا، فإننا لو اكتفينا بأن عمره حين مات كان مائة وعشرين سنة لكان هذا دليلًا على تعميره، ويقول مترجموه من القدماء: إنه عاصر المنذر بن محرق والد النعمان بن المنذر، وإنه أكبر من النَّابغة الذبياني؛ إذ لم يعمر هذا كما عُمر سميُّه الجَعْدي، وقد رأى بلاشير في الروايات التي تتحدث عن معاصرة الشاعر لوالد النعمان بن المنذر وأنه عاش عُمرًا أطول من النَّابغة الذبياني مجرد أوهام، دون أن يقدم دليلًا على ذلك[1]، إننا قد نستبعد أيضًا أن يكون النَّابغة قد عاش حتى جاوز المائتين أو حتى وقف عندها، بل قد نستبعد أن يكون قد عُمر إلى أن بلغ مائة وثمانين سنة، وذلك جريًا على ما خبرناه من أعمار غالبية الناس، لكن هذا شيء ووصف القول بأنه عاصر النعمان بن المنذر وأنه عُمِّر أطول من النَّابغة بأنه أوهام شيء آخر.

وإذا قمنا بعملية حسابية أساسها أنه وُلد في عصر المنذر بن محرق وأنه توفي في النصف الثاني من القرن الأول الهجري؛ إذ معروف أنه قد وفد على ابن الزبير بعد أن أصبح خليفة (وكان قد بويع له بالخلافة سنة 64)، تبيَّن لنا أن من غير المستبعد أن يكون قد عاش حتى جاوز أعوامه المائة بعشرين أو نحو ذلك؛ ذلك أن النعمان بن المنذر هذا قد ولِيَ الحكم قبل مبعث النبي عليه السلام بأربعة وعشرين عامًا على ما يقول الطبري في تاريخه [2]، فلو أضفنا الـ 24 عامًا هذه إلى الـ 13 عامًا التي قضاها النبي عليه السلام في مكة بعد مبعثه، إلى 64 عامًا ما بين هجرته صلى الله عليه وسلم والمناداة بابن الزبير خليفة كان عندنا مائة عام وواحد، وهذا على فرض أن الشاعر قد وُلد في آخر سنة في ملك المنذر، ووفد على ابن الزبير ثم مات في نفس السنة التي بويع فيها خليفة، والمؤكد على الأقل أن تاريخ ميلاده كان قبل هذا التاريخ المفترض بكثير؛ ذلك أنه يقول في إحدى قصائده:
تذكرتُ والذِّكرى تهيج على الهوى
ومِن عادة المحزون أن يتذكَّرَا
نداماي عند المنذر بن محرِّق
أرى اليوم منهم ظاهرَ الأرض مقفِرَا
كهول وفتيان كأنَّ وجوهَهم
دنانيرُ مما شيف في أرض قيصرا

والإنسان لا يكون نديمًا للملوك إلا إذا كان على الأقل شابًّا، ومعنى هذا أن من المعقول جدًّا أن يكون النَّابغة قد بلغ المائة والعشرين عامًا، إن لم يكن تجاوزها[3]، ومن ثم فلا معنى لرفض بلاشير الذي مرت الإشارة إليه، وبخاصة أنه لم يورد دليلًا عليه، ولا حاول أن ينفيَ نسبة هذه الأبيات السالفة، ولا تلك التي يقول فيها الشاعر:
ولقد شهدتُ عكاظَ قبل محلِّها
عنها، وكنتُ أُعَدُّ مِ الْفتيان
والمنذر بن محرِّق في مُلكه
وشهدتُ يومَ هجائنِ النُّعمان
وعُمِرْتُ حتى جاء أحمدُ بالهدى
وقوارعٌ تتلى مِن القرآن

بل إن النَّابغة قد قال بصريح اللفظ: إنه قد عاش مائة سنة واثنتي عشرة، ولم يكن هذا آخر شيء قاله، وقد ذكر في ذلك الشعر أنه عاصر انتشار مرض الخُنان، ويقول الذين ترجموا له: إن هذا المرضَ كان على أيام المنذر بن ماء السماء:
فمَن يكُ سائلًا عني فإني
مِن الفتيانِ أيام الخُنان
مضت مائةٌ لعام ولدتُ فيه
وعشر بعد ذاك وحجَّتان
فأبقى الدهر والأيامُ مني
كما أبقى مِن السيف اليماني
تفلَّل وهو مأثور جُرازٌ
إذا جُمِعت بقائمه اليدان
وغير ذلك من الشعر، فقد كان النَّابغة يكرر الإشارة إلى طول عمره.

وقد أنكر د. شوقي ضيف نسبة مثل هذا الشعر إلى النَّابغة، وأكد أنه مصنوع بلا شك عليه، إلا أنه لم يعمل على أن يذكر الأسباب التي دفعته إلى القول بالنحل[4]، والحقيقة أنه ليس من المستحيل أن يكون مثل هذا الشعر قد صُنع ونُحل للنابغة، بيد أن عدم الاستحالة في مثل هذه الظروف لا يكفي، ولو جرينا على هذه القاعدة في كل أبحاثنا لرفضنا تقريبًا كلَّ شيء لمجرد أنه غير مستحيل أن يكون الأمر بخلافه.

على أية حال، فمِن الواضح من هذه الشواهد الشعرية وغيرها أن الشاعر ظلَّ محتفظًا بقواه العقلية إلى آخر حياته رغم تعميره؛ إذ لا يستطيع الإنسان أن ينظم مثل هذا الشعر وهو في تلك السن المتقدمة، ولا أن يفِدَ على ابن الزبير بعد ذلك ويمدحه بمثل ما مدحه به النَّابغة إلا وهو يقِظُ العقل والإدراك، نشيط الإحساس والموهبة الأدبية.

ولعلَّ هذه النقطة في مسألة تعمير النَّابغة هي النقطة الوحيدة التي تتقلقل في صدري؛ إذ يبدو لي غريبًا أن يظل إنسان محتفظًا بصفاء عقله وجيشان مشاعره ونشاط موهبته الشعرية إلى هذا العمر المتأخر، ولكن ماذا يمكنني أن أفعل وهذا شعر الرجل بين أيدينا وليس ثمة سبب يدعوني إلى الشك فيه، ولست واجدًا شيئًا يمكن أن أسوِّغَ به أمام ضميري القول بصنع هذا الشعر ونحله للنابغة؟ ثم مَن ذلك الناحل؟ وما مصلحته في ذلك؟ أو ما دافعه إليه؟ وهل يسُوغ في العقل أن نقول: إنه قد تكرر منه هذا النحل؟ ذلك أن الأشعار التي يتحدث الشاعر فيها عن طول عمره متعددة – كما رأينا.

ذلك، وقد حُكيت أشعار عن أناس أعلى من هذه السن بكثير، مثل أنس بن مدرك، وهو شاعر مخضرم أيضًا كالنَّابغة، قال:
إذا ما امرؤٌ عاش الهنيدة سالمًا
وخمسين عامًا بعد ذلك وارْبعَا
تبدل مُرَّ العيش مِن بعد حُلْوه
وأوشَك أن يبلى وأن يتسعسعا
ويأذى به الأدنى ويرضى به العِدا
إذا صار مِثل الرأي أحدَبَ أخضعَا
رهينة قعر البيت ليس يريمُه
لقًى ثاويًا لا يبرح المهد مضجعَا
يخبِّرُ عمَّن مات حتى كأنما
رأى الصَّعب ذا القرنين أو رَاءَ تُبَّعَا[5] والهنيدة هي المائة، ومعنى ذلك أنه قال هذه الأبيات وقد جاوزها بأربعة وخمسين عامًا.

هذا، ويبدو أن صحته لم تتخاذل رغم هذه السن العالية؛ إذ يحكون عنه أنه لما وفد على عبدالله بن الزبير ومدحه أعطاه هذا أوساقًا من الحب والتمر، فكان يأخذ الحب شحيحًا لم يطحن بعد ويأكله، ومعنى هذا أن أسنانه كانت لا تزال سليمة، فإذا بقيت الأسنان بهذه المتانة فلا بد أن تكون صحة صاحبها متماسكة على الأقل.

وقد نص القدماء نصًّا على أن أسنانه ظلت سليمة رغم طول عمره، وأرجعوا ذلك إلى دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم له عندما أنشده رائيَّتَه الشهيرة عام الوفود؛ إذ قال مفاخرًا بقبيلته:
بلَغْنا السماء مجدنا وجدودنا *** وإنا لنبغي فوق ذلك مظهَرَا

فسأله النبي عليه السلام مستغربًا: “إلى أين يا أبا ليلى؟”، فردَّ في ثقة: إلى الجنة يا رسول الله، فدعا له الرسول قائلًا: “لا يفضض اللهُ فاكَ”.

وسواء أكانت قوة أسنانه وسلامتها رغم ذلك العمر المديد مرجعها إلى دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام له أم كانت قوة طبيعية (وفي هذه الحالة يكون كلام الرسول مجرد تعبير مجازي عن شدة إعجابه بالشعر ولباقة صاحبه في الرد)[6]، فإن مِن الصعب جدًّا علينا أن نقبل ما جاء في بعض الروايات من أنه بسبب هذه الدعوة كان إذا سقطت له سن نبتت مكانها غيرها؛ إذ إن في هذا مخالفة تامة لما نعرفه عن هذا الأمر، فالمعروف أن الإنسان لا تنبت له أسنان بعد مرحلة الصِّبا، اللهم إلا ما يسمونه “ضرس العقل”.

فإذا حاولنا استقصاء ما جاء في سيرة حياته عن أحداث تلك الحياة مرحلة مرحلة لفَت نظرَنا أن أخباره في الجاهلية تكاد أن تكون في حكم المعدومة، ففيما عدا إشاراته السريعة والعارضة في قصائده عن منادمته مثلًا للمنذر بن محرق أو معاصرته لمرض الخُنان وما إلى ذلك لا نعثر على شيء، اللهم إلا ما يقال من أنه كان يجلس في الجاهلية في الموسم بعكاظ فتتحاكم إليه الشعراء، فقدمت الخنساء يومًا فأنشدَتْه مرثيتها الرائية في أخيها صخر، فحكم لها بأنها أفضل شاعرة في النساء قائلًا: “أنت أشعر من كل ذات ثديين”، فأجابته مِن فورها: “ومن كل ذي..”، تريد أنها أشعر من الرجال أيضًا[7]، ولا أدري مدى صحة ذلك[8]، وكذلك أنه كان ممن فكَّر في الجاهلية وأنكر الخمر والسُّكر وما تفعل بالعقل، وهجر الأزلام والأوثان، وقال كلمته التي أولها:
الحمدُ للهِ لا شريك له *** مَن لم يقُلْها فنَفْسه ظلَما[9] وكان يذكر دين إبراهيم والحنيفية ويصوم ويستغفر ويتوقع أشياء لعواقبها.

وقد نقل بعض المعاصرين ذلك الكلام نَقْلَ المصدِّق له، منهم: جرجي زيدان[10]، والشيخان أحمد الإسكندري ومصطفى عناني [11]، والسيد أحمد الهاشمي[12]، ومحقق الديوان[13]، ود. يحيى الجبوري[14]، ود. محمد طاهر درويش [15]، ود. عمر فروخ[16]، ود. محمد خضر [17]، ود. عفيف عبدالرحمن [18]، ود. محمود حسن أبو ناجي[19]، ود. خليل إبراهيم أبو ذياب [20].

والواقع أن هذه مجردُ دعوى مرسلة لا دليل عليها؛ فشعر النَّابغة يخلو مما يمكن أن يتخذ دليلًا على ذلك أو حتى يعضده أو يشير إليه مجرد إشارة، بل العكس هو الصحيح؛ فإن في هذا الشعر ما يدل على خلافه؛ فهو يقول:
قالت أمامةُ: كم عمَرْت زمانه
وذبحت مِن عِتْر على الأوثانِ!
ولقد شهدتُ عكاظَ قبل محلِّها
عنها، وكنتُ أُعَدُّ مِ الفتيانِ

ومن الواضح أن “كم” هنا للتكثير لا للاستفهام، مما يفيد أنه كثيرًا ما تقرب بالقرابين للأصنام، كذلك فإن في شعره ذِكرًا كثيرًا لشربه الخمر في الجاهلية، حتى في شعره الإسلامي، مما يدلُّ على أنه لم يكن يشرب الخمر في الجاهلية وحسب بل على أنه أيضًا لم يكن يجد حرجًا في الإشارة إلى ذلك حتى بعد أن أسلم، ومن هذه الأشعار قوله في قصيدته التي أنشدها بين يدي معاوية بن أبي سفيان:
وصهباء لا تُخفي القذى وهْي دونه
تُصَفَّق في راووقها ثم تُقطَب
شربت بها والدِّيكُ يدعو صباحَه
إذا ما بنو نعشٍ دنَوْا فتصوَّبوا
وقوله:
وقهوةٍ صهباء باكرتها *** بجُهمةٍ والدِّيكُ لم يَنْعَب

ليس ذلك فقط، فإنه حتى في رائيته التي أنشدها بين يدي النبي عليه السلام حين وفد عليه في السنة التاسعة للهجرة مع قومه لإعلان الإسلام نراه يقول:
تذكَّرت شيئًا قد مضى لسبيله
ومِن حاجة المحزون أن يتذكَّرا
نداماي عند المنذر بن محرِّق
أرى اليوم منهم ظاهر الأرض مقفِرَا
كهولًا وشبَّانًا كأنَّ وجوههم
دنانيرُ مما شِيفَ في أرض قيصرا
إذا ملِكٌ مِن آل جفنة خالُه
وأعمامُه آل امرئ القيس أزهرا
يردُّ علينا كأسَه وشواءَه
مناصفةً والشرعبي المحبَّرا
وراحًا عراقيًّا وريطًا يمانيًا
ومغتبطًا مِن مسكِ دارينَ أذفَرَا
ومِن الواضح رنة النشوة والابتهاج والفخر في هذه الأبيات.

كذلك فإن تشبيهه ريق حبيبته بالخمر (وأي خمر؟ إنها:
… قرقفٌ سلافة
إسفنط عقارٌ قليلةُ الندم
أُلقي فيها فلجان من مسك
دارين وفلجٌ مِن فُلفل ضَرِم)
ليدل على أنه بالخمرِ جدُّ بصيرٍ.

كما أن قصائدَه تُرينا أنه كان يعيش في الجاهلية كسائر الجاهليين، يخوض معامعَ المعارك القبَلية، ويَسبي النساء، ويفاخر بقومه مفاخرةَ مَن لا يرى لهم في الحياة كفئًا ولا نظيرًا، مع احتقارٍ شديد للقبائل الأخرى، وهذا الكلامُ إنما تتضمَّنه في الغالب قصائدُه الإسلامية، مما يبرهن لنا على أن هذه الروحَ ظلت مشتعلة لم تَخْبُ حتى في الإسلام، ورجلٌ بهذه الشخصية من الصعب جدِّ الصعب علينا أن نتصوَّرَه من المنصرفين في جاهليته دونما سبب قاهرٍ عن عقائد قومه وعاداتهم ونهج حياتهم إلى البحث عن حقيقة الأديان، ويؤكد هذا تأكيدًا قويًّا شِعرُه الفخري والهجائي الإسلامي، فمِثل ذلك الشِّعر لا ينبئ بأن صاحبَه مِن المفكِّرين والمتأملين الذين يؤثِرون الحياة الساكنة.

فإذا أضفنا أنه لم يتطرق في شعره إلى شيء يفهم منه أنه كان على دين إبراهيم وأنه كان نابذًا للأصنام، تبيَّن لنا أن ما قيل عنه في هذا الصدد هو كلام مجرد كلام.

كذلك فلو كان في الجاهلية على الصورة التي رسمتها لنا تلك الرواية لما تأخر في الوفود على النبي إلى أخريات حياته صلى الله عليه وسلم، فإن شخصًا بهذا الشك لما كان ليصبر على المجيء إلى النبي، ولو لمجرد الاستطلاع، اثنين وعشرين عامًا كلها ممتلئة بالأحداث والصراعات الرهيبة بين ذلك النبي ودِينه من جهة وبين الكفار بأصنامهم وخمرهم وزِناهم وعدوانهم وكِبْرهم من جهة أخرى.

أما القصيدة التي أولها:
الحمدُ لله لا شريك له *** مَن لم يقُلْها فنفسَه ظلما

بما فيها من كلام عن التوحيد والبعث والجنة والنار والتقوى والالتفات إلى آيات الكون والخلق باعتبارها دلائل على وجود الله وقدرته وعظمته، والتي يقول بعض القدماء: إن النَّابغة قد نظمها في الجاهلية كما مرَّ بنا – فسوف نبين في موضعه أن الأمرَ فيها لا يمكن أن يكون كذلك، وأنه إنما نظمها في الإسلام.

بل إن في القصيدة اللامية التي ألقاها بين يدي النبي بيتينِ يدلان بأجلى دليل على أنه لم يكن في جاهليته من ناحية الدين بالصورة التي تقدمه لنا بها الرواية السابقة، وأنه إنما استطاع (بالكاد) أن يعلن إسلامه في حياة الرسول وقبل أن يبادره أجله:
حتى أتى أحمدَ الفرقانُ يقرَؤُه
فينا وكنا بغيبِ الأمر جهَّالا
فالحمد لله إذ لم يأتني أجلي
حتى لبِسْتُ مِن الإسلام سِربالَا

وحتى في الرائية التي ألقاها وهو واقف بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم نجدُه يفخَر بقومه فخرًا عنيفًا، يكاد يتفجَّر من عنفه، وينقَضُّ بصواعق هجومه على خصوم قبيلته، ولو كان على دين إبراهيم عليه السلام لانصرف على الأقل إلى الكلام عن رحلة بحثه عن الحقيقة، وذكر تحنُّفه في الجاهلية، وكيف أن إسلامه كان نتيجة طبيعية لذلك.

أما قوله فيها:
وطوفتُ في الرهبان أعبرُ دينهم *** وسيَّرتُ في الأحبار ما لم تسيَّرا
فهو بيتٌ يتيم في ديوانه من جهة، ومن جهة ثانية فقد شرع بعده مباشرة يتذكر أيامه عند المنذر بن محرِّق ومنادمته له، وشربه الخمر هناك … إلخ، مما لا يتناسب مع ذلك البيت، وهو ما يدل على أنه ليس إلا كلامًا عابرًا، ومن جهة ثالثة، وهذا هو المهم، فإن هذا البيت يتحدث عن الرهبان والأحبار، وهؤلاء دينهم شيء، ودين إبراهيم شيء آخر، ثم إنه يقول: إنه كان ينظر في دينهم ويحاول التعرُّف إليه، لا إنه قد استقرَّ على دِين معين ومارس شعائره، وليس في كلامه أية إشارة إلى صيام أو استغفار على حسب ما تدعي الرواية التي نحن بصدد مناقشتها.

ثم إنه يقول عَقِيب ذلك البيت:
فأصبَح قلبي قد صحا، غيرَ أنه *** وكل امرئٍ لاقٍ مِن الدهر قِنطِرا
وهو ما يُعَد اعترافًا منه بأنه كان في الجاهلية ضالًّا، فلما وفد على محمد صلى الله عليه وسلم وآمَن به أفاق من هذا الضلال.

وأخيرًا، فإن رجلًا يقول في الإسلام لامرأة (هي ليلى الأخيلية)، وكانت قد ناصرت بعض أخصامه:
ألا حيِّيَا ليلى وقولا لها: هَلَا
فقد ركبتْ أمرًا أغرَّ محجَّلا
دعي عنك تَهْجاءَ الرجال وأقبلي
على أذلغي يملأ استك فيشلا
بُرَيذينة بل البراذين ثفرها
وقد شرِبَتْ في أول الصيف أيلا[21] ليس مِن السهل أبدًا علينا أن نقتنع بأنه كان متحفنًا في الجاهلية.

هذا، ونضرب عن الاستشهاد بالبيت الذي ورد في قصيدته السابقة التي ألقاها على مسامع الرسول وأصحابه، ونصه:
إذا أنْعَظَ السعديُّ قبَّل أيرَه *** وألقمه فاه فكان له حِرَا
لأنه إنما ورد فيها على إحدى الروايات فقط[22]، أما الروايتان الأُخريان فلا تعرفانه[23]، ولم يذكره صاحب “الجمهرة” ضمن القصيدة، علاوة على أن الخيال فيه يبدو لي أليق بالعصور التي تلت صدر الإسلام، لا ذلك العصر.

هذا ما قيل عن جاهلية النَّابغة الجَعْدي، وذلك رأينا فيه، أما في الإسلام فإننا نفاجأ به عضوًا في وفد قبيلته الذي قدم على الرسول صلى الله عليه وسلم عام الوفود ينشده رائيته التي تكررت الإشارة إليها، ومطلعها:
خليليَّ، غضَّا ساعة وتهجَّرا *** ولوما على ما أحدث الدهرُ أو ذرَا[24] والتي أبدى النبي إعجابه بها ودعا له ألا يُفض فوه، مما سبقت الإشارة إليه.

وقد ذُكر أنه وفد على الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأنشده سينيَّته التي يقول في مطلعها:
لبِسْتُ أناسًا فأبليتهم *** وأبلَيْتُ بعد أناسٍ أُناسَا
وأن عمر سأله عن مدى طول عمره، فأجابه بأنه عاصر ثلاثة أجيال، كل جيل ستون عامًا.

وفي عهد عثمانَ رضي الله عنه نسمع به وقد ضربه أبو موسى الأشعري أسواطًا؛ لأنه خرج مع عصبة له استجابة لنداء سمعه من قومه يصيحون به على أفراد القبيلة أن يخرجوا لنصرتهم، عندما بعث في طلبهم أبو موسى حين راعوا زرع الدولة فيما يبدو، وقد قال شاعرنا في أبي موسى الأبياتَ التالية مغتاظًا، وله كل الحق، إن كان كل ما فعله هو ما حكته لنا القصة:
رأيتُ البكرَ بكرَ بني ثمودٍ
وأنت أراك بكرَ الأشعرينا
فإن يكُنِ ابن عفَّانٍ أمينًا
فلم يبعَثْ بك البَرَّ الأمينا
فيا قبرَ النبيِّ وصاحبيه
ألا يا غوثنا لو تسمعونا
ألا صلَّى إلهُكمُ عليكم
ولا صلَّى على الأمراءِ فينا

ونشهَده في عهد عثمان أيضًا وقد أتاه يودعه مسافرًا إلى مضارب قومه في البادية، فقد غلبه الحنين إلى الوطن على نفسه، فذكَّره عثمان رضي الله عنه بأن المهاجر لا يصح له أن يعود إلى دياره؛ لأن ذلك مكروه، ومع هذا فقد نزل عثمان على رغبته وسمح له بالعودة إلى دياره على أن يرجع إلى المدينة مرة أخرى بعد أجلٍ ضربه له، وتمضي الرواية فتقول: إنه قد مرَّ بابني علي: الحسن والحسين رضي الله عنهما وأنشدهما ميميته التي تبتدئ بقوله:
الحمدُ للهِ لا شريك له *** مَن لم يقُلْها فنفسَه ظلَما

أما في عهد علي كرم الله وجهه فقد انضم إلى صفوف جيشه ينصره بالسنان واللسان، وفي معركة صِفِّين نسمعه يهتف مشيدًا به وهاجيًا معاوية وبني أمية، متهمًا إياهم بالنفاق، وداعيًا عليهم بالفشل:
قد علِم المصرانِ والعراقُ
أن عليًّا فحلها العتاق
أبيض جحجاج له رِواقُ
وأمه غالي بها الصداق
أكرم مَن شُد به نطاقُ
إن الألى جارَوْك لا أفاقوا
لهم سباقٌ ولكم سباقُ
قد علمت ذلكم الرفاق
سُقتم إلى نهج الهدى وساقوا
إلى التي ليس لها عراقُ
في ملة عادتها النفاقُ

وكان معاوية، بعد أن استقر الأمر له، قد أمر مروان واليه على المدينة أن يأخذ أهل النَّابغة وماله، فأتى النَّابغة معاوية وقد أعد قصيدة شديدة لا تخلو من تهديد يستنكر فيها ما وقع مِن غَبن عليه وعلى آله، وليس في القصيدة أي استعطاف، على عكس ما يذهب إليه د. شوقي ضيف[25]؛ إذ لا شك أن الأبيات التالية، وهي بعض أبيات القصيدة، أبعد ما تكون عن رُوح الاستعطاف:
فمَن راكبٌ يأتي ابنَ هندٍ بحاجتي
على النأي؟ والأنباء تُنمي وتُجلب
فإن تأخذوا أهلي ومالي بظِنَّة
فإني لجرَّاب الرجال مُجرب
صبور على ما يكره المرءُ كلِّه
سوى الظلم، إني إن ظُلمت سأغضب
ولما رأينا أنكم قد كثرتمُ
وخبَّ إليكم كلُّ حيٍّ وأجلبوا
عرانا حفاظ، والحفاظ مهالكٌ
إذا لم يكن مِن ورده متنكَّبُ
فجئنا إلى الموتِ الصُّهابيِّ بعدما
تجرَّد عريانٌ مِن الشرِّ أخدب
فلما قضيتم كلَّ وترٍ ودمنة
وأدرككم نصرٌ مِن الله معجب
وأدركتمُ ملكًا خلعتم عذارَنا
كما خلع الطرف الجواد المجرَّب
ومال الولاء بالبلاء فمِلْتمُ
علينا، وكان الحق أن تتقرَّبوا
ولا تأمنوا الدَّهرَ الخَؤُون فإنَّه
على كل حال بالورى يتقلب
وأعلمُ أن الخير ليس بدائمٍ
علينا وأن الشرَّ لا هو يرتبُ

وإن القصيدة التي ساقها صاحب “الأغاني” مع هذه القصيدة لدليل أيضًا على ما نقول؛ فهي تذكر أن معاوية قد ثاب إليه الرشاد ورجع عما كان أمر به في آل النَّابغة وماله، وسفَّه رأي مروان، الذي كان يصر على العقوبة انتقامًا من النَّابغة؛ لمؤازرته عليًّا كرم الله وجهه، قائلًا له: “ما أهون، والله، عليك أن ينجحر هذا في غار ثم يقطع عرضي عليَّ ثم تأخذه العرب فترويه! أما والله إن كنت لممن يرويه، اردد عليه كل شيء أخذته منه”[26].

ومِثل هذه الأبيات، عنفًا واستنكارًا، بيتاه التاليان، وقد قالهما أيضًا لمعاوية في نفس الموضوع، وألحقهما بالقصيدة السابقة لما رآها لم تأتِ بالنتيجة المطلوبة:
ألم تأتِ أهلَ المشرقينِ رسالتي؟
وأي نصيح لا يَبيتُ على عتب؟
ملكتم فكان الشرُّ آخرَ عهدِكم
لئن لم تدارككم حلومُ بني حرب

وليس في ديوان النَّابغة أي مديح لمعاوية أو لأحد من آل بيته، ولكن فيه مديحًا لابن الزبير، قاله فيه عندما أتاه يستغيثه لقومه مِن مجاعةٍ حلت بهم، قال:
حكَيْتَ لنا الصِّدِّيقَ لما ولِيتَنا
وعثمان والفاروق فارتاح مُعدِمُ
وسوَّيتَ بين الناس في الحقِّ فاستوَوْا
فعاد صباحًا حالكُ الليل مظلِمُ
أتاك أبو ليلى يجوب به الدُّجى
دجى الليل جوابُ الفلاة عثمثمُ
لتجبُرَ منه جانبًا ذعذَعَتْ به
صروفُ الليالي والزمان المصمِّمُ

ولكن الغريب أنه لم يذكر اسم علي مع الخلفاء الثلاثة الآخرين الذين جعلهم مثلًا أعلى يحتذيه ابن الزبير في سيرته مع رعيَّتِه، ولست أدري السبب في هذا؛ فقد كان الشاعرُ – كما عرفنا – مِن أنصاره الأوفياء، بل مِن الذين احتملوا الضُّرَّ في سبيل هذه النصرة بعد وفاته كرم الله وجهه، كما مر بنا، ولعل الفترة التي تولى فيها عليٌّ أمور الأمة بما امتلأت به من الفتن والقلاقل والحروب في كل الجبهات لم تترك له الفرصة ليُظهر عدله ورحمته بالرعية، ومن ثم فلم يخطر على بال النَّابغة أن يذكره في هذه النقطة مع رفاقه الثلاثة الآخرين، رضي الله عن الجميع، أقول: “لعل”، ولا أزيد.

وهناك أبيات يخاطب فيها النَّابغة زوجتَه، التي كانت – فيما يبدو – تعارض خروجه للجهاد، وتَرْكَها هي والأولاد دون عائل يرعاهم ويعطف عليهم، فهو يحاجُّها بأن خروجه للحرب في سبيل الله أمر حتمي أوجبه عليه الدِّين، فلا فَكاك منه، وهذه الأبيات تقول:
باتَتْ تذكِّرني باللهِ قاعدةً
والدمعُ ينهَلُّ مِن شأنَيْهما سُبلَا
يا بِنتَ عمِّي، كتابُ الله أخرجني
كرهًا، وهل أمنعنَّ الله ما فعَلَا؟
فإن رجعتُ فربُّ الناس يَرجِعني
وإن لحِقتُ بربي فابتغِي بدَلَا
ما كنتُ أعرَجَ أو أعمى فيعذِرَني
أو ضارعًا مِن ضنًى لم يستطِعْ حِوَلَا

وهي تدل على أنه اشترك في الجهاد في سبيل الله، لكننا لا نعرف في أي تاريخ، وهل كان ذلك في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أو في عصر الصِّدِّيق أو الفاروق أو عثمان أو بعد ذلك؟!

وقد “قيل: إن موت الجَعْدي كان بسبب ليلى الأخيلية؛ إذ فر من بين يديها، فمات مسافرًا، والأصح أنها هي التي ماتت في طلبه”[27].

فهذه أخبار النَّابغة التي وصلتنا، ومن هذه الأخبار قد يمكن أن نستخلص بعض سمات شخصيته: إنه شديد العصبية لقومه، لا يكف عن المفاخرة بهم والاستجابة لندائهم، حتى لو كان استصراخهم ضد الدولة نفسها وواليها، مما جعل أبا موسى يضربه أسواطًا، ويتصل بذلك رثاؤه الواله في أخيه، ولا أظن النَّابغة كان مقدمًا ذا رئاسة في قومه…

وإن أبياته التي قالها في وجه اعتراض زوجته على خروجه للمشاركة في الغزو وتشبثها بأن يبقى معها هي وأولادهما لَتوحي بقوة إيمانه واندفاعه في سبيل نصرة الله والإسلام، فهو لا يلين ولا يحاول حتى تلطيف الأمر عليها، بل يعالنها بكل قوة وحسم أن ذلك لا مرد له؛ لأنه واجب دِيني، والواجب الديني ليس فيه كلام، ولا منه فكاك.

ومن الواضح أن النَّابغة كان يحب آل البيت حبًّا خاصًّا: نعرف ذلك من أنه حين أذن له عثمان بالعودة إلى دياره لبعض الوقت تخفيفًا للحنين الذي كان يعانيه مرَّ بابني علي: الحسن والحسين، وأنشدهما الميمية المشهورة التي سلف الحديث عنها، وكذلك من وقوفه مع علي ضد معاوية، بل إنه من شدة إعزازه له كرم الله وجهه كان يأخذ بخطام بعيره في صفين وهو يرتجز بالأبيات التي أسلفناها في الإشادة به وبكرم عنصره وهجو بني أمية والدعاء عليهم.

وقد رأيناه بعد أن استتب الحال لمعاوية فأخذ ينتقم من أنصار علي يفِدُ عليه بقصيدة شديدة اللهجة يطلب منه أن يفك أهله وماله اللذين كان قد أمر مروان أن يأخذهما، وهي قصيدة تدل من جهة على وفائه لعلي؛ إذ لم يحاول قط الاعتذار لمعاوية عن معاضدته له ولو على سبيل التقيَّة، ومن جهة أخرى على شجاعته وصلابته، وهذه إحدى سمات شخصيته أيضًا.

كذلك كان في النَّابغة شيء من خشونة البادية وصراحتها العارية في التعبير، فإن في أشعاره بعض الألفاظ والعبارات التي يُحتشم منها، رأيناه يقولها في بساطة من لا يشعر فيها بشيء يُستحى منه، وقد ردت ليلى الأخيلية على بعض هجائه العاري بهجاء عارٍ مثله لم تستحِ هي أيضًا منه، مما سنتعرض له لاحقًا، ومن هذا الباب أيضًا كلامه للخنساء بسوق عكاظ في تقدير شعرها، مما مر بنا مع جوابها عليه

كذلك فإن أبياته التي فيها استطالة أمامة لعمره واستكثارها ما ذبح من عِتْر على الأوثان لتبين لنا أن خَلَّة الصراحة والتعبير المباشر عما في نفسه هي من خلال شخصيته، ومثل ذلك أبياته في هجاء زوجته، وكان قد طلقها، فكانت تأتيه في المنام ولا تتركه يهنأ بحياته، مما جعله ينظم فيها شعرًا يشتمها فيه ويتهكم بها وبتصرفاتها الحمقاء في بيت الزوجية، فهي تدل على أنه لم يكن يتحرج من نفض ما بدخيلة نفسه وبيته على أبصار الناس وأسماعهم، وسوف نتعرض لتلك الأبيات فيما بعد، ومن هذا القبيل أيضًا أنه عندما أمر ابن الزبير بوسق عدة جمال له بالحَب والتمر أقبل على الحَب يأكله صحيحًا من الجوع أمام الحاضرين، غير منتظر حتى يُطحن.

وكان إذا تغير له قلب صديق أعطاه صفحه وانصرف عنه لا يبالي، هكذا قال في شعره، فهو إذًا ليس من ذلك الصِّنف من البشر الذي يصبر إن رابه من صديقه شيء، ويسامحه مؤملًا أن يعود الود بينهما كما كان، بل يجازي على الفتور والهجر بفتور وهجر مثله.. [28].

________________________________________
[1] بلاشير/ تاريخ الأدب العربي/ ترجمة د. إبراهيم الكيلاني/ دار الفكر/ ط2/ 1404هـ – 1984م/ 563، والملِك الذي استبعد بلاشير معاصرة النابغة له هو النعمان لا أبوه، ولا أدري السبب في هذا التبديل.
[2] تاريخ الطبري/ ليدن/ 1/ 900.
[3] بل أحيانًا ما نسمع في عصرنا عن أناس نيفوا على هذه السن، وعادةً ما يكونون من سكان الجبال، وطعامهم عادة اللبن والأغذية غير المطبوخة، ولعل البيئةَ الصحراوية تشبه المناطق الجبلية في هذا: فالأطعمة غير معقدة، والقلق المصاحب للازدحام العمراني والتقدم الحضاري غير معروف… إلخ.
[4] انظر كتابه “العصر الإسلامي”/ دار المعارف/ ط7/ 102.
[5] انظر السجستاني/ المعمرون والوصايا/ تحقيق عبدالمنعم عامر/ عيسى البابي الحلبي/ 1961م/ 42 – 43.
[6] كما أن دعاءه لأحد الصحابة بـ”تربت يداك” هو مجرد تعبير مجازي عن شدة الحث على الزواج لا دعاء عليه بالفقر (بخاري/ نكاح/ 11، وأبو داود/ نكاح/ 4)، ومن ذلك الباب أيضًا قوله عليه السلام لصحابي آخر: “ثكلتك أمك”، وبطبيعة الحال لا يمكن أن يقصد الرسول بذلك أن يدعوَ عليه بالهلاك وتثكله أمه فعلًا، بل هو مجرد استنكار لما فعله ذلك الصحابي (البخاري/ أذان/ 117، وابن ماجه/ فتن/ 12، 26).
[7] انظر: ابن نباتة/ سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون/ تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم/ دار الفكر العربي/ 1383هـ – 1963م/ 425 – 426.
[8] يقول د. ناصر بن سعد الرشيد: إن “حكم العرب في عكاظ هو النابغة الذبياني”، ثم يتساءل بعد قليل: “هل هناك حكم أدبي غير النابغة؟”، ليجيب بأنه “لم تذكر كتب الأدب والتاريخ اسمًا آخر غيره”، وهو لا يستبعد أنه كان هناك حكام أدبيون آخرون أهملت ذكرهم الكتب؛ (سوق عكاظ في الجاهلية والإسلام/ دار الأنصار/ القاهرة/ ط1/ 1397هـ – 1977م/ 40 – 41)، على أية حال، هذا هو ابن نباتة يذكر النابغة الجعدي أيضًا، وإن لم يخبرنا من أين استقى هذا الخبر.
[9] الأغاني/ مؤسسة عز الدين/ بيروت/ 4/ 130، وانظر شيئًا قريبًا من ذلك في “الاستيعاب” لابن عبدالبر/ المكتبة التجارية الكبرى/ 3/ 553، و”خزانة الأدب” للبغدادي/ المطبعة الأميرية/ ط1/ 1/ 514.
[10] انظر كتابه “تاريخ الآداب العربية”/ مراجعة وتعليق د. شوقي ضيف/ دار الهلال/ 1/ 155.
[11] انظر كتابهما “الوسيط في الأدب العربي وتاريخه”/ دار المعارف/ 1398هـ – 1978م/ 163.
[12] انظر كتابه “جواهر الأدب”/ المكتبة التجارية الكبرى/ ط 21/ 1384هـ – 1964م/ 2/ 144.
[13] ديوان النابغة الجعدي/ تحقيق عبدالعزيز رباح/ المكتب الإسلامي/ دمشق/ ط1/ 184هـ – 1964م/ ل.
[14] انظر كتابه “شعر المخضرمين وأثر الإسلام فيه”/ مؤسسة الرسالة/ بيروت/ ط2/ 1401هـ – 1981م/ 228.
[15] انظر كتابه “حسان بن ثابت”/ دار المعارف/ مكتبة الدراسات الأدبية رقم 43/ 47.
[16] انظر كتابه “تاريخ الأدب العربي”/ دار العلم للملايين/ بيروت/ ط4/ 1981م/ 1/ 342.
[17] انظر كتابه “أدب صدر الإسلام”/ بيروت/ 1401هـ – 1981م/ 250.
[18] انظر كتابه “معجم الشعراء الجاهليين والمخضرمين”/ دار العلم/ 1403هـ – 1983م/ 357.
[19] انظر كتابه “شعراء العرب الفرسان في الجاهلية وصدر الإسلام”/ مؤسسة علوم القرآن/ دمشق وبيروت/ ط1/ 1404هـ – 1984م/ 136.
[20] انظر كتابه “النابغة الجعدي – حياته وشعره”/ دار القلم (دمشق) والمنارة (بيروت)/ ط1/ 1407هـ – 1987م/ 160، وقد وقَع لي هذا الكتاب بعد انتهائي مِن هذه الدراسة بشهور، فأحَلْتُ إليه في المواضع التي رأيتُ أنها تتطلب ذلك.
[21] “هلا” كلمة يُصاح بها على الناقة حين يطرقها الفحل لتستكين لما يفعله بها، والأذلغي الفيشل: الذَّكَر الضخم، وفي البيت الثالث يتَّهِمها باستيلاء الغلمة والاهتياج عليها.
[22] شعر النابغة الجعدي/ 59.
[23] السابق/ 69 و73 وما بعدها، حيث لا وجود له في المكان الذي كان يحتله في الرواية الأولى.
[24] ص/ 35، 61، مع إبدال “عوجا” بـ”غُضَّا” في الرواية الثانية.
[25] العصر الإسلامي/ 102.
[26] الأغاني/ 4/ 138.
[27] العمدة/ تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد/ المكتبة التجارية الكبرى/ 1374هـ – 1955م/ 1/ 106، وانظر أيضًا “خزانة الأدب”/ 3/ 33.
[28] انظر في ترجمة النابغة وأخباره: السجستاني/ المعمرون والوصايا/ 81، 83، وابن قتيبة/ الشعر والشعراء/ تحقيق أحمد شاكر/ دار المعارف/ 1/ 298 وما بعدها، وابن سلام/ طبقات فحول الشعراء/ تحقيق محمود شاكر/ مطبعة المدني/ القاهرة/ 1/ 123 وما بعدها، والأغاني/ 4/ 126 وما بعدها، والمرزباني/ الموشح/ تحقيق علي محمد البجاوي/ دار نهضة مصر/ القاهرة/ 1965م/ 89 وما بعدها، و”معجم الشعراء” له أيضًا، وأمالي المرتضى/ تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم/ عيسى البابي الحلبي/ ط1/ 1373هـ – 1954م/ 263 وما بعدها، وجرجي زيدان/ تاريخ آداب اللغة العربية/ 1/ 155، والإسكندري وعناني/ الوسيط في الأدب العربي وتاريخه/ 164 وما بعدها، ود. شوقي ضيف/ العصر الإسلامي/ 100 وما بعدها، ود. يحيى الجبوري/ شعر المخضرمين وأثر الإسلام فيه/ 227 وما بعدها، وحنا الفاخورري/ تاريخ الأدب العربي/ المطبعة البولسية/ 241 – 242، وبلاشير/ تاريخ الأدب العربي/ ترجمة د. إبراهيم كيلاني/ 562 – 565، ود. عمر فروخ/ تاريخ الأدب العربي/ 1/ 342 – 344، والمقدمة التي كتبها محقق “شعر النابغة”، وقد وقع في يدي بعد أن انتهيت من هذه الدراسة كتاب د. خليل إبراهيم أبو ذياب/ النابغة الجعدي – حياته وشعره. وقد تناول فيه حياة النابغة وشخصيته (ص 97 – 166).

شاهد أيضاً

ظاهرة التحرش في مواقع التواصل الاجتماعي :: الشارع نيوز

كتبت:لطيفة محمد حسيب القاضي ظاهرة التحرش هي ظاهرة موجودة و منتشرة منذ زمن بعيد غير ...

تعليقك على الموضوع